شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٣٧٣ - المسألة الرّابعة والعشرون في أنّ الممكن ما لم يجب لم يوجد
نظراً إلى ذاته جائزاً، لا ما يجوز وجوده تارة وعدمه أُخرى فإنّه قد يمتنع ذلك مع كونه ممكناً كما في الزّمان.
وعلى تقدير تسليم ذلك[١] يمكن أن يقال: إنّه ممتنع بالنّظر إلى الرّجحان الناشئ من العلّة، لأنّ ذلك الرّجحان لمّا كان حاصلاً في جميع ذلك الوقت امتنع تخصيص بعضه بالوجود والآخر بالعدم من دون مرجّح آخر »[٢].
أقول: هذا وارد على ذلك التقرير، لكن لو قرّرنا بأنّه لو لم يجب لجاز الوجود والعدم معها ; فيمكن أن يقع بدل الوجود العدم، فاختصاص أحدهما بالوقوع يحتاج إلى مرجّح آخر لتَمّ، ولم يرد عليه ذلك.
واعلم: أنّ هذا الدّليل[٣] النّافي للأولويّة الخارجيّة ينفي الأولويّة الذاتيّة أيضاً لو كانت متصوّرة كما لا يخفى .
وهو سابق ويَلحقه وجوب آخر لا يخلو عنه قضيّة فعليّة; يعني أنّ كلّ ممكن فهو محفوف بوجوبين:
أحدهما: سابق على وجوده أو عدمه وهو الوجوب المذكور ـ أعني: الّذي بيَّنا ـ أنّ الممكن ما لم يجب وجوده أو عدمه عن العلّة لم يقع .
وثانيهما: وجوب لاحق بعد حصول الوجود أو العدم بالفعل، وهو الّذي يقال له الوجوب بشرط المحمول أو عدمه ولا يمكن أن يخلو عن هذا الوجوب قضيّة فعليّة[٤]، فإنّ كلّ شيء حمل عليه شيء آخر، فهو واجب بثبوت
[١] أي بعد تسليم جواز وقوعه تارة وعدمه أُخرى بالنّظر إلى ذات الممكن.
[٢] لاحظ : حاشية المحقّق الدّواني على هامش شرح تجريد العقائد: ٤٠ .
[٣] أي لابدّ من الانتهاء إلى الوجوب .
[٤] مثلاً انّ الحكم بوجود المشي للإنسان يكون واجباً ما دام المشي موجوداً له، وهذه الضّرورة تسمّى ضرورةً بحسب المحمول ولا يخلو عنها قضيّة فعليّة.