شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٣٥٠ - البحث الأوّل في أقسام الوجود والامتناع
من وجود علّته والامتناع من عدمها فمعروض الغير بيّن، ليس إلاّ الممكن لا الواجب بالذّات ولا الممتنع بالذّات، لكون كلّ منهما سبباً[١] لما له من الوجوب أو الامتناع، فلو استند الوجوب أو الامتناع مع كونه مستنداً إلى الذّات إلى الغير ; أيضاً لزم توارد العلّتين على معلول واحد، وهو محال لما سيأتي.
وأشار إلى الثّاني منهما بقوله: ولا ممكن بالغير لما تقدّم[٢] في القسمة الحقيقية، يعني لو أمكن أن يحصل لشيء ما إمكان بسبب الغير، فإمّا أن يكون في حدّ ذاته ممكناً بالذّات أو واجباً بالذّات أو ممتنعاً بالذّات، إذ لا خِلْو من الثّلاثة لما تقدّم من أنّ القسمة بين الثلاثة حقيقية، فيلزم الانقلاب على الأخيرين.
فإن قلت [٣]: امتناع الانقلاب إنّما هو في الذّاتي بأن ينقلب الوجوب بالذّات مثلاً إلى الإمكان بالذّات، و[٤] هذا الإمكان الحاصل بالغير ليس إمكاناً بالذّات، فلا يمتنع انقلاب الواجب بالذّات أو الممتنع بالذّات إليه .[٥]
قلت: معنى الإمكان بالذّات هو أن لا يقتضي الذّات الوجود ولا العدم ويكون نسبتها إليهما على السّواء، فهذا المعنى سواء كان بسبب الذّات أو بسبب الغير يمتنع انقلاب الوجوب أو الامتناع الذّاتيين إليه، إذ معنى الوجوب الذّاتي هو أن يقتضي الذّات الوجود، ومعنى الامتناع الذّاتي أن يقتضي الذّات العدم، فيمتنع انقلاب عدم اقتضاء أحدهما[٦] إلى اقتضاء أحدهما وبالعكس .
[١] أي كافياً لما يصدق ما، له من الوجوب والامتناع.
[٢] تقدّم في المسألة الثّامنة عشرة .
[٣] تعرّض له الشّارح القوشجي وأجاب عنه. لاحظ : شرح تجريد العقائد: ٣٦ ـ ٣٧ .
[٤] الواو : حالية.
[٥] أي الإمكان بالغير .
[٦] أي الوجود أو العدم .