مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٣٣٠ - ٣- باب ما كتب المأمون في جواب كتاب بني هاشم
قلوب صغيركم و كبيركم، و عرفكم مقبلين و مدبرين، و ما آل إليه كتابكم في مراوضة [١] الباطل، و صرف وجوه الحقّ عن مواضعها، و نبذكم كتاب اللّه تعالى و الآثار، و كلّما جاءكم به الصادق محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، حتّى كأنّكم من الامم السالفة الّتي هلكت بالخسفة و الغرق و الريح و الصيحة و الصواعق و الرجم «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها» [٢] و الّذي هو أقرب إلى المأمون من حبل الوريد، لو لا أن يقول قائل: إنّ المأمون ترك الجواب عجزا، لما أجبتكم من سوء أخلاقكم، و قلّة أخطاركم، و ركاكة عقولكم، و من سخافة ما تأوون إليه من آرائكم، فليستمع مستمع، فليبلّغ شاهد غائبا.
أمّا بعد: فإنّ اللّه تعالى بعث محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) على فترة من الرسل، و قريش في أنفسها و أموالها لا يرون أحدا يساميهم [٣] و لا يباريهم [٤]، فكان نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) أمينا، من أوسطهم بيتا، و أقلّهم مالا، و كان أوّل من آمنت به خديجة بنت خويلد، فواسته بمالها.
ثمّ آمن به أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) [ابن] سبع سنين، لم يشرك باللّه شيئا طرفة عين، و لم يعبد وثنا، و لم يأكل ربا، و لم يشاكل الجاهليّة في جهالاتهم، و كانت عمومة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إمّا مسلم مهين، أو كافر معاند، إلّا حمزة فإنّه لم يمتنع من الإسلام، و لا يمتنع الإسلام منه، فمضى لسبيله على بيّنة من ربّه.
و أمّا أبو طالب، فإنّه كفّله و ربّاه، و لم يزل مدافعا عنه و مانعا منه، فلمّا قبض اللّه أبا طالب، فهمّ القوم و أجمعوا عليه ليقتلوه، فهاجر إلى القوم «وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» [٥].
[١]- «يقال: فلان يراوض فلانا على أمر كذا أي: يداريه، ليداخله فيه» منه ره.
[٢]- سورة محمّد: ٢٤.
[٣]- «سامه: فاخره و باراه» منه ره.
[٤]- «المباراة: المجاراة و المسابقة، و فلان يباري فلانا، أي يعارضه، و يفعل مثله فعله» منه ره.
[٥]- الحشر: ٩.