مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٣٥٣ - الكتب
و بصيرته و جل، بل عند ما يهوّله المهوّلون، و يرعد و يبرق [١] به المبرقون المرعدون و كثرة المخالفين و المعاندين من المجاهدين و المخاتلين، أثبت ما يكون عزيمة، و أجرأ جنانا، و أنفذ مكيدة، و أحسن تدبيرا، و أقوى في تثبيت حقّ [٢] المأمون و الدعاء إليه، حتّى قصم [٣] أنياب الضلالة، و فلّ حدّهم و قلّم أظفارهم و حصد شوكتهم، و صرعهم مصارع الملحدين في دينه، الناكثين لعهده، الوانين [٤] في أمره، المستخفّين بحقّه، الآمنين لما حذر من سطوته و بأسه، مع آثار ذي الرئاستين في صنوف الامم من المشركين، و ما زاد اللّه به في حدود دار المسلمين، ممّا قد وردت أنباؤه عليكم، و قرئت به الكتب على منابركم، و حملت أهل الآفاق عنكم إلى غيركم.
فانتهى شكر ذي الرئاستين بلاء أمير المؤمنين عنده، و قيامه بحقّه، و ابتذاله مهجته، و مهجة أخيه أبي محمّد الحسن بن سهل، الميمون النقيبة [٥]، المحمود السياسة، إلى غاية تجاوز فيها الماضين، و فاق بها الفائزين، و انتهت مكافأة أمير المؤمنين إيّاه إلى ما جعل له من الأموال و القطائع و الجواهر، و إن كان ذلك لا يفي بيوم من أيامه، و لا بمقام من مقاماته، فتركه زهدا فيه، و ارتفاعا من همّته له، و توفيرا له على المسلمين، و اطراحا للدنيا، و استصغارا لها، و إيثارا للآخرة، و منافسة فيها.
و سأل أمير المؤمنين ما لم يزل له سائلا، و إليه فيه راغبا، من التخلّي و التزهّد، فعظم ذلك عنده و عندنا، لمعرفتنا بما جعل اللّه عزّ و جلّ في مكانه الّذي هو به من العزّ للدين، و السلطان و القوّة على صلاح المسلمين، و جهاد المشركين، و ما أرى اللّه به من تصديق نيّته، و يمن نقيبته، و صحّة تدبيره، و قوّة رأيه، و نجح طلبته، و معاونته على الحقّ و الهدى، و البرّ و التقوى.
[١]- «يقال: أرعد الرجل و أبرق، إذا تهدّد و أوعد» منه ره.
[٢]- «و أقوى تثبّتا في حقّ» ع، ب.
[٣]- «القصم- بالقاف و الفاء-: الكسر» منه ره.
[٤]- وني: فتر و ضعف و كلّ، و الواني:
الضعيف و ما شاكله.
[٥]- «قال الجوهريّ: قال أبو عبيد: النقيبة النفس، يقال فلان ميمون النقيبة، إذا كان مبارك النفس. قال ابن السكيت: إذا كان ميمون المشورة» منه ره.