مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٥ - المقدمة
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بعد حمده تعالى على ما منّ به و أعطى، و صلواته و سلامه على عباده الذين اصطفى، المعلّل كلّ مخلوق بلولاهم: المصطفى، و المرتضى، و الزهراء، و المجتبى، و الشهيد بكربلاء، و على التسعة المعصومين أوتاد الثرى، و أعلام الدجى.
أقول: فهذا المجلّد من عوالم العلوم يتصفّح جوانب من حياة الإمام الرضا «عليّ بن موسى» (عليهما السلام)، الكوكب الثامن الذي تألّق في سماء العصمة و الطهارة من صفوة ورثة النبوة، و من شجرة الرسالة المحمّدية الّتي أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها و يتضمّن بعضا من سيرة بحر زاخر بالحكمة و الأدب لا يدرك قراره، و فنن دوحة مباركة كان العلم و الفقه شعاره و دثاره.
عزيزي القارئ: لقد أجمع المؤالف و المخالف على روعة سلوك إمامنا «أبي الحسن الرضا (عليه السلام)» و عميق علمه، و سلامة فقهه، و عظيم أخلاقه، و تجرّده من كلّ نزعة، فركع مثل رأس الجالوت أمام عتبة علمه هزيمة، و طأطأ الجاثليق رأسه إمعانا في سكوته و تراجعه، و اعترف المأمون بحقّه قائلا: «يا بن رسول اللّه! قد عرفت فضلك و علمك و زهدك و ورعك و عبادتك، و أراك أحقّ بالخلافة منّي ...». و لقد جسّد الإمام (عليه السلام) بحقّ روح الإسلام و نظرته النيّرة في هداية الناس، و تنوير عقولهم، و تهذيب أخلاقهم، و تقويم سلوكهم، و رفدهم بأسباب الحياة الحرّة الكريمة، و تربيتهم و تغذيتهم بمكارم الأخلاق.
و لعلّ أهم ما تجدر الإشارة إليه هو أنّ الظرف الذي عاشه الإمام الرضا (عليه السلام) كانت له خصوصيّاته التي انعكست في سلوكه و سيرته المباركة، و التي انسجمت تماما مع الدور الإلهي المكلّف للقيام به، فكان (عليه السلام) بحقّ إماما من اللّه و نورا، و قائدا فذّا، ماثلت أخلاقه أخلاق جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و حاكت سيرته سيرته، فبعد شهادة والده (عليه السلام) و ترك جثمانه الطاهر على قارعة الطريق، و التشهير به بتلك الصورة الأليمة التي لم تشابهها شهادة معصوم آخر سوى شهادة جدّه الحسين (عليه السلام)، الأمر الذي كان يعدّ طعنة نجلاء سدّدها العبّاسيّون للشيعة و عقيدتهم و قيمهم و فكرهم.
زد على ذلك ما انبثق بعد شهادة الإمام الكاظم من تيّارات فكريّة غريبة، كان على رأسها الواقفية التي كان يمثّلها أشخاص لهم ثقلهم في المجتمع آنذاك، و ما آلت إليه الأوضاع