البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٩ - ذكر امرئ القيس بن حجر الكندي صاحب احدى المعلقات
و يقال أبو الحارث الكندي. كان باعمال دمشق و قد ذكر مواضع منها في شعره فمن ذلك قوله:
قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل* * * بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها* * * لما نسجتها من جنوب و شمأل
قال و هذه مواضع معروفة بحوران. ثم
روى من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي حدثني فروة بن سعيد بن عفيف بن معديكرب عن أبيه عن جده. قال: بينا نحن عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذ أقبل وفد من اليمن فقالوا يا رسول اللَّه لقد أحيانا اللَّه ببيتين من شعر امرئ القيس. قال: و كيف ذاك؟ قالوا أقبلنا نريدك حتى إذا كنا ببعض الطريق اخطأنا الطريق فمكثنا ثلاثا لا نقدر على الماء فتفرقنا الى أصول طلح و سمر ليموت كل رجل منا في ظل شجرة فبينا نحن بآخر رمق إذا راكب يوضع على بعير فلما رآه بعضنا قال و الراكب يسمع:
و لما رأت أن الشريعة همّها* * * و ان البياض من فرائصها دامى
تيمّمت العين التي عند ضارج* * * يفيء عليها الظل عرمضها طامي
فقال الراكب: و من يقول هذا الشعر و قد رأى ما بنا من الجهد؟ قال قلنا امرؤ القيس بن حجر قال و اللَّه ما كذب هذا ضارج عندكم فنظرنا فإذا بيننا و بين الماء نحو من خمسين ذراعا فحبونا اليه على الركب فإذا هو كما قال امرؤ القيس عليه العرمض يفيء عليه الظل فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «ذاك رجل مذكور في الدنيا منسي في الآخرة، شريف في الدنيا خامل في الآخرة، بيده لواء الشعراء يقودهم الى النار».
و ذكر الكلبي: أن امرأ القيس أقبل براياته يريد قتال بنى أسد حين قتلوا أباه فمر بتبالة و بها ذو الخلصة و هو صنم و كانت العرب تستقسم عنده فاستقسم فخرج القدح الناهي ثم الثانية ثم الثالثة كذلك فكسر القداح و ضرب بها وجه ذي الخلصة و قال عضضت بإير أبيك لو كان أبوك المقتول لما عوقتنى.
ثم أغار على بنى أسد فقتلهم قتلا ذريعا قال ابن الكلبي: فلم يستقسم عند ذي الخلصة حتى جاء الإسلام و ذكر بعضهم أنه امتدح قيصر ملك الروم يستنجده في بعض الحروب و يسترفده فلم يجد ما يؤمله عنده فهجاه بعد ذلك فيقال إنه سقاه سما فقتله فالجأه الموت الى جنب قبر امرأة عند جبل يقال له عسيب فكتب هنالك:
أجارتنا إن المزار قريب* * * و إني مقيم ما اقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان هاهنا* * * و كل غريب للغريب نسيب
و ذكروا أن المعلقات السبع كانت معلقة بالكعبة، و ذلك أن العرب كانوا إذا عمل أحدهم قصيدة عرضها على قريش فان أجازوها علقوها على الكعبة تعظيما لشأنها فاجتمع من ذلك هذه المعلقات السبع فالأولى لامرئ القيس بن حجر الكندي كما تقدم و أولها: