البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٢ - * بيان شجرة طوبى ما هي
الضلالة و أعلم به بعد الجهالة و اغنى به بعد العائلة و ارفع به بعد الضيعة أهدى به و افتح به بين آذان صم و قلوب غلف و أهواء مختلفة متفرقة أجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر إخلاصا لاسمى و تصديقا لما جاءت به الرسل الهمهم التسبيح و التقديس و التهليل في مساجدهم و مجالسهم و بيوتهم و منقلبهم و مثواهم يصلون لي قياما و قعودا و ركعا و سجودا و يقاتلون في سبيلي صفوفا و زحوفا قرباتهم دماؤهم و أناجيلهم في صدورهم و قربانهم في بطونهم رهبان بالليل ليوث في النهار ذلك فضلي أوتيه من أشاء و انا ذو الفضل العظيم.
و سنذكر ما يصدق كثيرا من هذا السياق مما سنورده من سورتي المائدة و الصف إن شاء اللَّه و به الثقة* و قد روى أبو حذيفة إسحاق بن بشر بأسانيده عن كعب الأحبار و وهب بن منبه و ابن عباس و سلمان الفارسي دخل حديث بعضهم في بعض قالوا لما بعث عيسى بن مريم و جاءهم بالبينات جعل المنافقون و الكافرون من بنى إسرائيل يعجبون منه و يستهزءون به فيقولون ما أكل فلان البارحة و ما ادخر في منزله فيخبرهم فيزداد المؤمنون ايمانا و الكافرون و المنافقون شكا و كفرانا و كان عيسى مع ذلك ليس له منزل يأوى اليه انما يسيح في الأرض ليس له قرار و لا موضع يعرف به فكان أول ما أحيا من الموتى أنه مر ذات يوم على امرأة قاعدة عند قبر و هي تبكى فقال لها مالك أيتها المرأة فقالت ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها و انى عاهدت ربى أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذاقت من الموت أو يحييها اللَّه لي فانظر اليها فقال لها عيسى أ رأيت إن نظرت اليها أ راجعة أنت قالت نعم قالوا فصلى ركعتين ثم جاء فجلس عند القبر فنادى يا فلانة قومي باذن الرحمن فاخرجى قال فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع القبر باذن اللَّه ثم نادى الثالثة فخرجت و هي تنفض رأسها من التراب فقال لها عيسى ما أبطأ بك عنى فقالت لما جاءتني الصيحة الاولى بعث اللَّه لي ملكا فركب خلقي ثم جاءتني الصيحة الثانية فرجع الى روحي ثم جاءتني الصيحة الثالثة فخفت أنها صيحة القيامة فشاب رأسي و حاجباى و اشفار عيني من مخافة القيمة ثم أقبلت على أمها فقالت يا أماه ما حملك على ان أذوق كرب الموت مرتين يا أماه اصبري و احتسبي فلا حاجة لي في الدنيا يا روح اللَّه و كلمته سل ربى أن يردني الى الآخرة و ان يهون على كرب الموت فدعا ربه فقبضها اليه و استوت عليها الأرض فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضبا و قدمنا في عقيب قصة نوح أن بنى إسرائيل سألوه أن يحيى لهم سام بن نوح فدعا اللَّه عز و جل و صلّى للَّه فأحياه اللَّه لهم فحدثهم عن السفينة و أمرها ثم دعا فعاد ترابا. و قد روى السدي عن أبى صالح و أبى مالك عن ابن عباس في خبر ذكره و فيه أن ملكا من ملوك بنى إسرائيل مات و حمل على سريره فجاء عيسى (عليه السلام) فدعا اللَّه عز و جل فأحياه اللَّه عز و جل فرأى الناس أمرا هائلا و منظرا عجيبا قال اللَّه تعالى و هو أصدق القائلين (إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ