البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨١ - * بيان شجرة طوبى ما هي
إلها ليس معه إله و لكن اللَّه يكون إلها في السماء و تكون أنت إلها في الأرض فلما سمع عيسى ذلك منه استغاث بربه و صرخ صرخة شديدة فإذا إسرافيل قد هبط فنظر اليه جبريل و ميكائيل فكف إبليس فلما استقر معهم ضرب إسرافيل إبليس بجناحه فصك به عين الشمس ثم ضربه ضربة أخرى فاقبل إبليس يهوى و مر عيسى و هو بمكانه فقال يا عيسى لقد لقيت فيك اليوم تعبا شديدا فرمى به في عين الشمس فوجد سبعة أملاك عند العين الحامية قال فغطوه فجعل كلما صرخ غطوه في تلك الحمأة قال و اللَّه ما عاد اليه بعد. قال و حدثنا إسماعيل العطار حدثنا أبو حذيفة قال و اجتمع اليه شياطينه فقالوا سيدنا قد لقيت تعبا قال إن هذا عبد معصوم ليس لي عليه من سبيل و سأضل به بشرا كثيرا و أبث فيهم أهواء مختلفة و اجعلهم شيعا و يجعلونه و أمه إلهين من دون اللَّه قال و أنزل اللَّه فيما أيد به عيسى و عصمه من إبليس قرآنا ناطقا بذكر نعمته على عيسى فقال (يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ) يعنى إذ قويتك بروح القدس يعنى جبريل (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) الآية كلها و إذ جعلت المساكين لك بطانة و صحابة و أعوانا ترضى بهم و صحابة و أعوانا يرضون بك هاديا و قائدا الى الجنة فذلك فاعلم خلقان عظيمان من لقيني بهما فقد لقيني بأزكى الخلائق و أرضاها عندي و سيقول لك بنو إسرائيل صمنا فلم يتقبل صيامنا و صلينا فلم يقبل صلاتنا و تصدقنا فلم يقبل صدقاتنا و بكينا بمثل حنين الجمال فلم يرحم بكاؤنا فقل لهم و لم ذلك و ما الّذي يمنعني إن ذات يدي قلت أو ليس خزائن السموات و الأرض بيدي أنفق منها كيف أشاء و ان البخل لا يعتريني أ و لست أجود من سأل و أوسع من اعطى أوان رحمتي ضاقت و انما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتي و لو لا أن هؤلاء القوم يا عيسى بن مريم عدوا أنفسهم بالحكمة التي تورث في قلوبهم ما استأثروا به الدنيا أثره على الآخرة لعرفوا من أين أوتوا و إذا لا يقنوا ان أنفسهم هي أعدى الأعداء لهم و كيف اقبل صيامهم و هم يتقوون عليه بالأطعمة الحرام و كيف أقبل صلاتهم و قلوبهم تركن الى الذين يحاربونى و يستحلون محارمي و كيف أقبل صدقاتهم و هم يغصبون الناس عليها فيأخذونها من غير حلها* يا عيسى انما أجزى عليها أهلها و كيف أرحم بكاءهم و أيديهم تقطر من دماء الأنبياء ازددت عليهم غضبا* يا عيسى و قضيت يوم خلقت السموات و الأرض أنه من عبدني و قال فيكما بقولي أن أجعلهم جيرانك في الدار و رفقاءك في المنازل و شركاءك في الكرامة و قضيت يوم خلقت السموات و الأرض أنه من اتخذك و أمك إلهين من دون اللَّه أن أجعلهم في الدرك الأسفل من النار و قضيت يوم خلقت السموات و الأرض أنى مثبت هذا الأمر على يدي عبدي محمد و أختم به الأنبياء و الرسل و مولده بمكة و مهاجره بطيبة و ملكه بالشام ليس بفظ و لا غليظ و لا سخاب في الأسواق و لا يزر بالفحش و لا قوال بالخنا أسدده لكل أمر جميل واهب له كل خلق كريم و اجعل التقوى ضميره و الحكم معقولة و الوفاء طبيعته و العدل سيرته و الحق شريعته و الإسلام ملته اسمه أحمد أهدى به بعد