البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٦ - فصل
فصل
المشهور ان عزيرا نبي من أنبياء بنى إسرائيل و انه كان فيما بين داود و سليمان و بين زكريا و يحيى و انه لما لم يبق في بنى إسرائيل من يحفظ التوراة ألهمه اللَّه حفظها فسردها على بنى إسرائيل كما قال وهب بن منبه أمر اللَّه ملكا فنزل بمغرفة من نور فقذفها في عزير فنسخ التوراة حرفا بحرف حتى فرغ منها. و روى ابن عساكر عن ابن عباس انه سال عبد اللَّه بن سلام عن قول اللَّه تعالى وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ لم قالوا ذلك فذكر له ابن سلام ما كان من كتبه لبني إسرائيل التوراة من حفظه و قول بنى إسرائيل لم يستطع موسى أن يأتينا بالتوراة الا في كتاب و ان عزيرا قد جاءنا بها من غير كتاب فرماه طوائف منهم و قالوا عزير ابن اللَّه. و لهذا يقول كثير من العلماء ان تواتر التوراة انقطع في زمن العزير. و هذا متجه جدا إذا كان العزير غير نبي كما قاله عطاء بن أبى رباح و الحسن البصري و فيما رواه إسحاق ابن بشر عن مقاتل بن سليمان عن عطاء و عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه و مقاتل عن عطاء بن ابى رباح قال كان في الفترة تسعة أشياء نصر و جنة صنعاء و جنة سبا و أصحاب الأخدود و امر حاصورا [١] و أصحاب الكهف و أصحاب الفيل و مدينة انطاكية و امر تبع. و قال إسحاق بن بشر انبأنا سعيد عن قتادة عن الحسن قال كان امر عزير و بختنصّر في الفترة. و قد ثبت
في الصحيح ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال ان أولى الناس بابن مريم لأنا إنه ليس بيني و بينه نبي).
و قال وهب ابن منبه كان فيما بين سليمان و عيسى (عليهما السلام). و قد روى ابن عساكر عن أنس بن مالك و عطاء بن السائب أن عزيرا كان في زمن موسى بن عمران و انه استاذن عليه فلم يأذن له يعنى لما كان من سؤاله عن القدر و انه انصرف و هو يقول مائة موتة أهون من ذل ساعة و في معنى قول عزير مائة موتة أهون من ذل ساعة قول بعض الشعراء
قد يصبر الحر على السيف* * * و يأنف الصبر على الحيف
و يؤثر الموت على حالة* * * يعجز فيها عن قرى الضيف
فاما ما روى ابن عساكر و غيره عن ابن عباس و نوف البكالي و سفيان الثوري و غيرهم من أنه سأل عن القدر فمحى اسمه من ذكر الأنبياء فهو منكر و في صحته نظر و كأنه مأخوذ عن الإسرائيليات و قد روى عبد الرزاق و قتيبة بن سعيد عن جعفر بن سليمان عن أبى عمران الجونى عن نوف البكالي قال قال عزير فيما يناجي ربه (يا رب تخلق خلقا فتضل من تشاء و تهدى من تشاء) فقيل له أعرض عن هذا فعاد فقيل له لتعرض عن هذا أو لامحون اسمك من الأنبياء إني لا أسأل عما افعل و هم يسألون و هذا لا يقتضي وقوع ما توعد عليه لو عاد فما محيا اسمه و اللَّه أعلم.
و قد روى الجماعة سوى الترمذي من حديث يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد و ابى سلمة
[١] هكذا في النسخة الحلبية. و في النسخة المصرية (و أمر جاصور)