البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٦ - ذكر خراب بيت المقدس
أن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني أو آذن لأحد بالطاعة لأحد و هي لا تنبغي إلا لي* و أما قراؤهم و فقهاؤهم فيدرسون ما يتخيرون فينقادون للملوك فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني و يطيعونهم في معصيتي و يوفون لهم بالعهود الناقضة لعهدي فهم جهلة بما يعلمون لا ينتفعون بشيء مما علموا من كتابي* و أما أولاد النبيين فمقهورون و مفتونون يخوضون مع الخائضين يتمنون مثل نصرى آباءهم و الكرامة التي أكرمتهم بها و يزعمون أنه لا أحد أولى بذلك منهم بغير صدق منهم و لا تفكر و لا يذكرون كيف كان صبر آبائهم و كيف كان جهدهم في أمرى حين اغتر المغترون و كيف بذلوا أنفسهم و دماءهم فصبروا و صدقوا حتى عز أمرى و ظهر ديني فتأنيت هؤلاء القوم لعلهم يستحيون منى و يرجعون فتطولت عليهم و صفحت عنهم فأكثرت و مددت لهم في العمر و أعذرت لهم لعلهم يتذكرون* و كل ذلك أمطر عليهم السماء و أنبت لهم الأرض و ألبسهم العافية و أظهرهم على العدو و لا يزدادون الا طغيانا و بعدا منى فحتى متى هذا. أبى يسخرون أم بى يتحرشون أم إياي يخادعون أم على يجترئون فانى أقسم بعزتي لأتيحن عليهم فتنة يتحير فيها الحكيم و يضل فيها رأى ذوى الرأى و حكمة الحكيم ثم لأسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتبا ألبسه الهيبة و أنزع من قلبه الرأفة و الرحمة و آليت أن يتبعه عدد و سواد مثل الليل المظلم. له فيه عساكر مثل قطع السحاب و مواكب مثل العجاج و كأن حفيف راياته طيران النسور و حمل فرسانه كسرب العقبان يعيدون العمران خرابا و القرى وحشا و يعثون في الأرض فسادا و يتبرون ما علوا تتبيرا قاسية قلوبهم لا يكترثون و لا يرقبون و لا يرحمون و لا يبصرون و لا يسمعون يجولون في الأسواق بأصوات مرتفعة مثل زئير الأسد تقشعر من هيبتها الجلود و تطيش من سمعها الأحلام بالسنة لا يفقهونها و وجوه ظاهر عليها المنكر لا يعرفونها. فو عزّتي لاعطلن بيوتهم من كتبي و قدسي و لاخلين مجالسهم من حديثها و دروسها و لأوحشن مساجدهم من عمارها و زوارها الذين كانوا يتزينون بعمارتها لغيري و يتهجدون فيها و يتعبدون لكسب الدنيا بالدين و يتفقهون فيها لغير الدين و يتعلمون فيها لغير العمل لأبدلن ملوكها بالعز الذل و بالأمن الخوف و بالغنى الفقر و بالنعمة الجوع و بطول العافية و الرخاء أنواع البلاء و بلباس الديباج و الحرير مدارع الوبر و العباء و بالأرواح الطيبة و الادهان جيف القتل و بلباس التيجان أطواق الحديد و السلاسل و الأغلال. ثم لأعيدن فيهم بعد القصور الواسعة و الحصون الحصينة الخراب و بعد البروج المشيدة مساكن السباع و بعد صهيل الخيل عواء الذئاب و بعد ضوء السراج دخان الحريق و بعد الانس الوحشة و القفار* ثم لأبدلن نساءها بالاسورة الأغلال و بقلائد الدر و الياقوت سلاسل الحديد و بألوان الطيب و الادهان النقع و الغبار و بالمشي على الزرابي عبور الأسواق و الأنهار و الخبب الى الليل في بطون الأسواق و بالخدور و الستور الحسور عن الوجوه و السوق و الاسفار