البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٩
أبا عمرو ناوبنى السهود* * * و راح النوم و امتنع الهجود
لذكر عصابة سلفوا و بادوا* * * و كل الخلق قصرهم يبيد
تولوا واردين الى المنايا* * * حياضا ليس منهلها الورود
مضوا لسبيلهم و بقيت خلفا* * * وحيدا ليس يسعفنى وحيد
سدى لا أستطيع علاج أمر* * * إذا ما عالج الطفل الوليد
فلأيا ما بقيت الى أناس* * * و قد باتت بمهلكها ثمود
و عاد و القرون بذي شعوب* * * سراء كلهم إرم حصيد
قال ثم صاح به آخر: يا خرعب ذهب بك العجب. ان العجب كل العجب بين زهرة و يثرب.
قال و ما ذاك يا شاحب؟ قال نبي السلام، بعث بخير الكلام الى جميع الأنام، فاخرج من البلد الحرام الى نخيل و آطام. قال ما هذا النبي المرسل و الكتاب المنزل، و الأمي المفضل؟ قال رجل من ولد لؤيّ ابن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. قال هيهات فات عن هذا سنى، و ذهب عنه زمنى لقد رأيتني و النضر بن كنانة نرمي غرضا واحدا، و نشرب حلبا باردا، و لقد خرجت به من دوحة في غداة شبمة و طلع مع الشمس و غرب معها، يروى ما يسمع و يثبت ما يبصر. و لئن كان هذا من ولده لقد سل السيف و ذهب الخوف، و دحض الزنا، و هلك الربا. قال فأخبرني ما يكون؟ قال ذهبت الضراء و البؤس و المجاعة، و الشدة و الشجاعة، الا بقية في خزاعة. و ذهبت الضراء و البؤس، و الخلق المنفوس الا بقية من الخزرج و الأوس. و ذهبت الخيلاء و الفخر، و النميمة و الغدر، إلا بقية في بنى بكر. يعنى ابن هوازن. و ذهب الفعل المندم و العمل المؤثم، إلا بقية في خثعم. قال أخبرنى ما يكون؟ قال إذا غلبت البرة، و كظمت الحرة، فاخرج من بلاد الهجرة، و إذا كف السلام، و قطعت الأرحام فاخرج من البلد الحرام. قال أخبرنى ما يكون؟ قال لو لا أذن تسمع، و عين تلمع لأخبرتك بما تفزع. ثم قال:
لا منام هدأته بنعيم* * * يا ابن غوط و لا صباح أتانا
قال ثم صرصر صرصرة كأنها صرصرة حبلى، فذهب الفجر فذهبت لا نظر فإذا عظاية و ثعبان ميتان. قال فما علمت أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) هاجر الى المدينة إلا بهذا الحديث. ثم رواه عن محمد بن جعفر عن إبراهيم بن على عن النضر بن سلمة عن حسان بن عبادة بن موسى عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر عن ابن عباس عن سعد بن عبادة. قال: لما بايعنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليلة العقبة خرجت الى حضرموت لبعض الحاج، قال فقضيت حاجتي ثم أقبلت حتى إذا كنت ببعض الطريق نمت، ففزعت من الليل بصائح يقول:
أبا عمرو ناوبنى السهود* * * و راح النوم و انقطع الهجود