البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٩
خرجنا في عير الى الشام- قبل أن يبعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- فلما كنا بأفواه الشام- و بها كاهنة- فتعرضتنا، فقالت أتانى صاحبي فوقف على بابي، فقلت أ لا تدخل فقال لا سبيل الى ذلك، خرج أحمد و جاء أمر لا يطاق، ثم انصرفت فرجعت الى مكة فوجدت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد خرج بمكة يدعو الى اللَّه عز و جل.
و قال الواقدي: حدثني محمد بن عبد اللَّه الزهري. قال: كان الوحي يسمع فلما كان الإسلام منعوا و كانت امرأة من بنى أسد يقال لها سعيرة لها تابع من الجن، فلما رأى الوحي لا يستطاع أتاها فدخل في صدرها فضج في صدرها فذهب عقلها فجعل يقول من صدرها: وضع العناق و منع الرفاق و جاء أمر لا يطاق و احمد حرم الزنا.
و قال الحافظ أبو بكر الخرائطى: حدثنا عبد اللَّه بن محمد البلوى- بمصر- حدثنا عمارة بن زيد حدثنا عيسى بن يزيد عن صالح بن كيسان عمن حدثه عن مرداس بن قيس السدوسي قال حضرت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- و قد ذكرت عنده الكهانة و ما كان من تغييرها عند مخرجه- فقلت يا رسول اللَّه قد كان عندنا في ذلك شيء أخبرك أن جارية منا يقال لها الخلصة لم يعلم عليها إلا خيرا، إذ جاءتنا فقالت يا معشر دوس العجب العجب لما أصابنى، هل علمتم إلا خيرا؟ قلنا و ما ذاك؟ قالت انى لفي غنمي إذ غشيتني ظلمة و وجدت كحس الرجل مع المرأة فقد خشيت أن أكون قد حبلت. حتى إذا دنت ولادتها وضعت غلاما أغضف له أذنان كأذني الكلب فمكث فينا حتى انه ليلعب مع الغلمان إذ وثب وثبة و القى إزاره و صاح بأعلى صوته و جعل يقول: يا ويلة يا ويلة، يا عولة يا عولة، يا ويل غنم، يا ويل فهم، من قابس النار. الخيل و اللَّه وراء العقبة، فيهن فتيان حسان نجبة. قال فركبنا و أخذنا للاداة و قلنا يا ويلك ما ترى فقال [هل] من جارية طامث فقلنا و من لنا بها؟ فقال شيخ منا هي و اللَّه عندي عفيفة الأم فقلنا فعجلها فأتى بالجارية و طلع الجبل و قال للجارية اطرحى ثوبك و اخرجى في وجوههم، و قال للقوم اتبعوا أثرها، و قال لرجل منا يقال له احمد بن حابس يا احمد بن حابس عليك أول فارس. فحمل احمد فطعن أول فارس فصرعه و انهزموا فغنمناهم. قال فابتنينا عليهم بيتا و سميناه ذا الخلصة، و كان لا يقول لنا شيئا إلا كان كما يقول حتى إذا كان مبعثك يا رسول اللَّه قال لنا يوما يا معشر دوس نزلت بنوا الحارث بن كعب فركبنا فقال لنا أكدسوا الخيل كدسا، أحشوا القوم رمسا، أنفوهم غدية و اشربوا الخمر عشية. قال فلقيناهم فهزمونا و غلبونا فرجعنا اليه فقلنا ما حالك و ما الّذي صنعت بنا فنظرنا اليه و قد احمرت عيناه و انتصبت أذناه و انبرم غضبانا حتى كاد أن ينفطر و قام فركبنا و اغتفرنا هذه له و مكثنا بعد ذلك حينا ثم دعانا فقال هل لكم في غزوة تهب لكم عزا و تجعل لكم حرزا و يكون في أيديكم كنزا؟ فقلنا ما أحوجنا إلى ذلك فقال اركبوا فركبنا فقلنا ما تقول فقال بنو الحارث بن مسلمة، ثم قال قفوا فوقفنا