البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٥
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى* * * و إن كان فيما جاء شيب الذوائب
و كن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة* * * سواك بمغن عن سواد بن قارب
قال ففرح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه بمقالتي فرحا شديدا، حتى رئي الفرح في وجوههم.
قال فوثب اليه عمر بن الخطاب فالتزمه و قال قد كنت أشتهى أن أسمع هذا الحديث منك فهل يأتيك رئيك اليوم؟ قال أما منذ قرأت القرآن فلا، و نعم العوض كتاب اللَّه من الجن. ثم قال عمر: كنا يوما في حي من قريش يقال لهم آل ذريح و قد ذبحوا عجلا لهم و الجزار يعالجه، إذ سمعنا صوتا من جوف العجل- و لا نرى شيئا- قال يا آل ذريح، أمر نجح صائح يصيح بلسان فصيح يشهد أن لا إله إلا اللَّه، و هذا منقطع من هذا الوجه و يشهد له رواية البخاري. و قد تساعدوا على أن السامع الصوت من العجل هو عمر بن الخطاب و اللَّه أعلم.
و قال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطى في كتابه الّذي جمعه في هواتف الجان:
حدثنا أبو موسى عمران بن موسى المؤدب حدثنا محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى حدثنا سعيد بن عبيد اللَّه الوصابى عن أبيه عن أبى جعفر محمد بن على. قال: دخل سواد بن قارب السدوسي على عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه فقال نشدتك باللَّه يا سواد بن قارب، هل تحسن اليوم من كهانتك شيئا؟ فقال: سبحان اللَّه يا أمير المؤمنين، ما استقبلت أحدا من جلسائك بمثل ما استقبلتني به قال سبحان اللَّه يا سواد ما كنا عليه من شركنا أعظم مما كنت عليه من كهانتك، و اللَّه يا سواد لقد بلغني عنك حديث إنه لعجيب من العجب، قال إي و اللَّه يا أمير المؤمنين إنه لعجب من العجب. قال فحدثنيه قال كنت كاهنا في الجاهلية، فبينا أنا ذات ليلة نائم إذ أتانى نجيي فضربني برجله. ثم قال يا سواد اسمع أقل لك، قلت هات قال:
عجبت للجن و أنجاسها [١]* * * و رحلها العيس بأحلاسها
تهوى إلى مكة تبغي الهدى* * * ما مؤمنوها مثل أرجاسها
فارحل إلى الصفوة من هاشم* * * و اسم بعينيك إلى رأسها
قال فنمت و لم أحفل بقوله شيئا، فلما كانت الليلة الثانية أتانى فضربني برجله ثم قال لي قم يا سواد ابن قارب اسمع أقل لك، قلت هات. قال:
عجبت للجن و تطلابها* * * و شدها العيس بأقتابها
تهوى إلى مكة تبغي الهدى* * * ما صادق الجن ككذابها
فارحل إلى الصفوة من هاشم* * * ليس المقاديم كأذنابها
[١] و في المصرية و إيجاسها. و في ابن هشام و إبلاسها. و في السهيليّ روايات مختلفة.