البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٦
قال فحرك قوله منى شيئا و نمت فلما كانت الليلة الثالثة أتانى فضربني برجله ثم قال يا سواد بن قارب أ تعقل أم لا تعقل؟ قلت و ما ذاك؟ قال ظهر بمكة نبي يدعو إلى عبادة ربه فالحق به، اسمع أقل لك.
قلت هات قال:
عجبت للجن و تنفارها* * * و رحلها العيس بأكوارها
تهوى إلى مكة تبغي الهدى* * * ما مؤمنو الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشم* * * بين روابيها و أحجارها
قال فعلمت أن اللَّه قد أراد بى خيرا. فقمت إلى بردة لي ففتقتها و لبستها و وضعت رجلي في غرز ركاب الناقة.
و أقبلت حتى انتهيت إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فعرض على الإسلام فأسلمت، و أخبرته الخبر فقال «إذا اجتمع المسلمون فأخبرهم»
فلما اجتمع المسلمون قمت فقلت:
أتانى نجيي بعد هدء و رقدة* * * و لم يك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة* * * أتاك رسول من لؤيّ بن غالب
فشمرت عن ذيلي الازار و وسطت* * * بى الذعلب الوجناء غير السباسب
[١]
و اعلم أن اللَّه لا رب غيره* * * و أنك مأمون على كل غائب
و أنك أدنى المرسلين وسيلة* * * إلى اللَّه يا ابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل* * * و إن كان فيما جاء شيب الذوائب
[٢] قال فسر المسلمون بذلك، فقال عمر هل تحس اليوم منها بشيء؟ قال أما إذ علمني اللَّه القرآن فلا و قد
رواه محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن عمر بن حفص. قال لما ورد سواد بن قارب على عمر قال: يا سواد بن قارب ما بقي من كهانتك؟ فغضب و قال ما أظنك يا أمير المؤمنين استقبلت أحدا من العرب بمثل هذا، فلما رأى ما في وجهه من الغضب، قال: انظر سوّاد للذي كنا عليه قبل اليوم من الشرك أعظم. ثم قال يا سواد حدثني حديثا كنت أشتهى أسمعه منك، قال نعم، بين أنا في إبل لي بالسراة ليلا و أنا نائم و كان لي نجى من الجن أتانى فضربني برجله فقال لي قم يا سواد بن قارب فقد ظهر بتهامة نبي يدعو الى الحق و الى طريق مستقيم، فذكر القصة كما تقدم و زاد في آخر الشعر:
و كن لي شفيعا يوم لا ذو قرابة* * * سواك بمغن عن سواد بن قارب
[٣]
[١] كذا في الأصلين. و الّذي في السهيليّ:
فرفعت أذيال الازار و شمرت* * * بى العرمس الوجنا هجول السباسب
[٢] في السهيليّ:
فمرنا بما يأتيك من وحي ربنا* * * و ان كان فيما جئت شيب الذوائب
[٣] في السهيليّ: بمغن فتيلا عن سواد بن قارب.