البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٣ - فصل
رجل قدم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي. قال سلمان فلما سمعتها أخذتني الرعدة حتى ظننت انى ساقط على سيدي فنزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه ما ذا تقول؟ ما ذا تقول؟ قال فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة. ثم قال مالك و لهذا؟ أقبل على عملك، قال فقلت لا شيء إنما أردت أن أستثبته عما قال. قال و قد كان عندي شيء قد جمعته فلما أمسيت أخذته. ثم ذهبت به إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- و هو بقباء- فدخلت عليه فقلت له إنه قد بلغني أنك رجل صالح و معك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة و هذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم. قال فقربته اليه فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأصحابه «كلوا» و أمسك يده فلم يأكل، فقلت في نفسي هذه واحدة ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا و تحول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى المدينة. ثم جئته فقلت له إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة و هذه هدية أكرمتك بها. قال فأكل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منها و أمر أصحابه فأكلوا معه، قال فقلت في نفسي هاتان ثنتان. قال ثم جئت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه و عليه شملتان و هو جالس في أصحابه فسلمت عليه. ثم استدبرته انظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الّذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) استدبرته عرف أنى أستثبت في شيء وصف لي. فألقى رداءه عن ظهره فنظرت الى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبله و أبكى فقال لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «تحول» فتحولت بين يديه، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس. فأعجب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يسمع ذاك أصحابه. ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بدر و أحد. قال سلمان: ثم قال لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «كاتب يا سلمان» فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير [١] و أربعين أوقية. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، لأصحابه «أعينوا أخاكم» فأعانوني في النخل: الرجل بثلاثين ودية، و الرجل بعشرين ودية، و الرجل بخمس عشرة ودية و الرجل بعشرة. يعين الرجل بقدر ما عنده حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية. فقال لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فائتنى أكن أنا أضعها بيدي». قال: ففقرت، و أعاننى أصحابى، حتى إذا فرغت جئته فأخبرته. فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) معى اليها. فجعلنا نقرب اليه الودي، و يضعه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بيده حتى إذا فرغنا فو الّذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة. فأديت النخل و بقي على المال. فأتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن. فقال «ما فعل الفارسي المكاتب؟» قال فدعيت له قال «خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان» قال قلت: و أين تقع هذه مما على يا رسول اللَّه؟ قال «خذها فان اللَّه سيؤدي بها عنك» قال فأخذتها فوزنت لهم منها- و الّذي نفس سلمان بيده- أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم و عتق سلمان. فشهدت مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الخندق حرا ثم لم يفتنى معه مشهد.
[١] فقير النخلة: حفرة تحفر للفسيلة إذا حولت لتغرس فيها. من النهاية.