البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٢ - فصل في شهوده عليه الصلاة و السلام حلف الفضول
فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب و قال: ما لهذا مترك فاجتمعت هاشم و زهرة و تيم بن مرة في دار عبد اللَّه بن جدعان فصنع لهم طعاما و تحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام فتعاقدوا و تعاهدوا باللَّه ليكوننّ يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى اليه حقه ما بلّ بحر صوفة. و ما رسى ثبير و حراء مكانهما. و على التأسي في المعاش. فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، و قالوا لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر. ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها اليه. و قال الزبير بن عبد المطلب في ذلك:
حلفت لنعقدن حلفا عليهم* * * و إن كنا جميعا أهل دار
نسميه الفضول إذا عقدنا* * * يعزبه الغريب لذي الجوار
و يعلم من حوالي البيت أنا* * * أباة الضيم نمنع كل عار
و قال الزبير أيضا:
إن الفضول تعاقدوا و تحالفوا* * * ألا يقيم ببطن مكة ظالم
أمر عليه تعاقدوا و تواثقوا* * * فالجار و المعترّ فيهم سالم
و ذكر قاسم بن ثابت- في غريب الحديث-: أن رجلا من خثعم قدم مكة حاجا- أو معتمرا- و معه ابنة له يقال لها القتول من أوضإ نساء العالمين، فاغتصبها منه نبيه بن الحجاج و غيبها عنه. فقال الخثعميّ: من يعدينى على هذا الرجل؟ فقيل له عليك بحلف الفضول. فوقف عند الكعبة و نادى يال حلف الفضول: فإذا هم يعنقون اليه من كل جانب، و قد انتضوا أسيافهم يقولون: جاءك الغوث فما لك؟ فقال إن نبيها ظلمني في بنتي و انتزعها منى قسرا فساروا معه حتى وقفوا على باب داره، فخرج اليهم فقالوا له أخرج الجارية ويحك فقد، علمت من نحن و ما تعاقدنا عليه، فقال افعل، و لكن متعونى بها الليلة، فقالوا لا و اللَّه و لا شخب لقحة فأخرجها اليهم و هو يقول:
راح صحبي و لم أحيى القتولا* * * لم أودعهم وداعا جميلا
إذ أجد الفضول أن يمنعوها* * * قد أرانى و لا أخاف الفضولا
لا تخالى أنى عشية راح الركب* * * هنتم عليّ أن لا يزولا
[١] و ذكر أبياتا أخر غير هذه. و قد قيل إنما سمى هذا حلف الفضول لأنه أشبه حلفا تحالفته جرهم على مثل هذا من نصر المظلوم على ظالمه. و كان الداعي اليه ثلاثة من أشرافهم اسم كل واحد منهم فضل:
و هم الفضل بن فضالة، و الفضل بن وداعة، و الفضل بن الحارث. هذا قول ابن قتيبة. و قال غيره
[١] كذا في الحلبية، و المصرية: ان لا يزولا. و في السهيليّ: ان لا أقولا.