البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٤ - فصل في تزويجه عليه الصلاة و السلام خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي
نزل الشام، فنزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان، فاطلع الراهب إلى ميسرة. فقال: من هذا الرجل الّذي نزل تحت الشجرة؟ فقال ميسرة هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة الا نبي. ثم باع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سلعته- يعنى تجارته- التي خرج بها و اشترى ما أراد أن يشترى. ثم اقبل قافلا إلى مكة و معه ميسرة، فكان ميسرة- فيما يزعمون- إذا كانت الهاجرة و اشتد الحر، يرى ملكين يظلانه من الشمس و هو يسير على بعيره، فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فاضعف أو قريبا، و حدثها ميسرة عن قول الراهب و عما كان يرى من اظلال الملائكة إياه و كانت خديجة امرأة جازمة شريفة لبيبة مع ما أراد اللَّه بها من كرامتها. فلما أخبرها ميسرة ما أخبرها بعثت إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقالت له- فيما يزعمون* * * يا ابن عم أنى قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك [١] في قومك و أمانتك و حسن خلقك و صدق حديثك، ثم عرضت نفسها عليه و كانت أوسط نساء قريش نسبا و أعظمهن شرفا و أكثرهن مالا. كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه، فلما قالت ذلك لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها اليه فتزوجها عليه الصلاة و السلام.
قال ابن هشام: فأصدقها عشرين بكرة و كانت أول امرأة تزوجها و لم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
قال ابن إسحاق: فولدت لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ولده كلهم إلا إبراهيم: القاسم و كان به يكنى، و الطيب و الطاهر، و زينب، و رقية، و أم كلثوم، و فاطمة.
قال ابن هشام: أكبرهم القاسم، ثم الطيب، ثم الطاهر. و أكبر بناته رقية، ثم زينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة.
قال البيهقي عن الحاكم: قرأت بخط أبى بكر بن أبى خيثمة حدثنا مصعب بن عبد اللَّه الزبيري قال أكبر ولده عليه الصلاة و السلام القاسم، ثم زينب، ثم عبد اللَّه، ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية. و كان أول من مات من ولده القاسم، ثم عبد اللَّه. و بلغت خديجة خمسا و ستين سنة، و يقال خمسين. و هو أصح. و قال غيره
بلغ القاسم أن يركب الدابة و النجيبة ثم مات بعد النبوة، و قيل مات و هو رضيع فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «إن له مرضعا في الجنة يستكمل رضاعه»
و المعروف ان هذا في حق إبراهيم و قال يونس بن بكير: حدثنا إبراهيم بن عثمان عن القاسم عن ابن عباس قال ولدت خديجة لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غلامين و اربع نسوة: القاسم، و عبد اللَّه، و فاطمة، و أم كلثوم، و زينب، و رقية. و قال الزبير بن بكار عبد اللَّه هو الطيب و هو الطاهر، سمى بذلك لانه ولد بعد النبوة فماتوا قبل البعثة.
[١] قوله: وسطتك فسره السهيليّ من الوسط. و قال فلان أوسط القبيلة أعرفها و أولاها بالصميم.