البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٣ - صفة مولده الشريف عليه الصلاة و السلام
إياها كأنه تندم على ما كانت عرضت عليه. فتعرض لها لتعاوده. فقالت لا حاجة لي فيك و تأسفت على ما فاتها من ذلك و أنشدت في ذلك ما قدمناه من الشعر الفصيح البليغ. و هذه الصيانة لعبد اللَّه ليست له و إنما هي لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فإنه كما قال تعالى اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ و قد تقدم
الحديث المروي من طريق جيد أنه قال عليه الصلاة و السلام: «ولدت من نكاح لا من سفاح»
و المقصود أن أمه حين حملت به توفى أبوه عبد اللَّه و هو حمل في بطن أمه على المشهور. قال محمد ابن سعد حدثنا محمد بن عمر- هو الواقدي- حدثنا موسى بن عبيدة اليزيدي. و حدثنا سعيد بن أبى زيد عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة. قال: خرج عبد اللَّه بن عبد المطلب إلى الشام إلى غزة في عير من عيرات قريش يحملونه تجارات، ففرغوا من تجاراتهم ثم انصرفوا فمروا بالمدينة و عبد اللَّه ابن عبد المطلب يومئذ مريض، فقال أتخلف عند أخوالى بنى عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضا شهرا و مضى أصحابه فقدموا مكة فسألهم عبد المطلب عن ابنه عبد اللَّه فقالوا خلفناه عند أخواله بنى عدي بن النجار و هو مريض. فبعث اليه عبد المطلب أكبر ولده الحارث. فوجده قد توفى و دفن في دار النابغة فرجع إلى أبيه فأخبره، فوجد عليه عبد المطلب و إخوته و أخواته وجدا شديدا، و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يومئذ حمل. و لعبد اللَّه بن عبد المطلب يوم توفى خمس و عشرون سنة.
قال الواقدي: هذا هو أثبت الأقاويل في وفاة عبد اللَّه و سنه عندنا. قال الواقدي: و حدثني معمر عن الزهري أن عبد المطلب بعث عبد اللَّه الى المدينة يمتار لهم تمرا فمات. قال محمد بن سعد و قد انبأنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه و عن عوانة بن الحكم. قالا: توفى عبد اللَّه بن عبد المطلب بعد ما أتى على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثمانية و عشرين شهرا، و قيل سبعة أشهر. و قال محمد بن سعد:
و الأول أثبت أنه توفى و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حمل. و قال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن حسن عن عبد السلام عن ابن خربوذ. قال: توفى عبد اللَّه بالمدينة و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ابن شهرين، و ماتت أمه و هو ابن أربع سنين، و مات جده و هو ابن ثمان سنين، فأوصى به إلى عمه أبى طالب. و الّذي رجحه الواقدي و كاتبه الحافظ محمد بن سعد أنه عليه الصلاة و السلام توفى أبوه و هو جنين في بطن أمه و هذا أبلغ اليتم و أعلى مراتبه. و قد تقدم
في الحديث «و رؤيا أمى الّذي رأت حين حمل بى كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام»
و قال محمد بن إسحاق فكانت آمنة بنت وهب أم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تحدث أنها أتيت حين حملت برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقيل لها إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، من كل بر عاهد [١] و كل عبد رائد، يذود عنى ذائد، فإنه عند الحميد الماجد، حتى أراه قد أتى المشاهد. و آية ذلك أنه يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وقع فسميه محمدا. فان اسمه في التوراة احمد يحمده أهل السماء و أهل
[١] كذا في الأصلين و لم نقف عليه و لم يظهر لنا معناه.