البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٧ - ذكر تجديد حفر زمزم
و انصرف الناس كلهم اليها لمكانها من المسجد الحرام و لفضلها على ما سواها من المياه و لأنها بئر إسماعيل ابن إبراهيم و افتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها و على سائر العرب. و قد ثبت
في صحيح مسلم في حديث إسلام أبى ذر أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال في زمزم: انها لطعام طعم. و شفاء سقم.
و قال الامام أحمد حدثنا عبد اللَّه بن الوليد عن عبد اللَّه بن المؤمل عن أبى الزبير عن جابر بن عبد اللَّه قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): ماء زمزم لما شرب منه.
و قد رواه ابن ماجة من حديث عبد اللَّه بن المؤمل و قد تكلموا فيه و لفظه ماء زمزم لما شرب له. و
رواه سويد بن سعيد عن عبد اللَّه بن المبارك عن عبد الرحمن بن أبى الموالي عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: ماء زمزم لما شرب له.
و لكن سويد بن سعيد ضعيف و المحفوظ عن ابن المبارك عن عبد اللَّه بن المؤمل كما تقدم و قد رواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعا ماء زمزم لما شرب له و فيه نظر و اللَّه أعلم. و هكذا
روى ابن ماجة أيضا و الحاكم عن ابن عباس انه قال لرجل إذا شربت من زمزم فاستقبل الكعبة و اذكر اسم اللَّه و تنفس ثلاثا و تضلع منها فإذا فرغت فاحمد اللَّه فان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: إن آية ما بيننا و بين المنافقين لا يتضلعون من ماء زمزم.
و قد ذكر عن عبد المطلب انه قال: اللَّهمّ انى لا أحلها لمغتسل و هي لشارب حل و بل. و قد ذكره بعض الفقهاء عن العباس بن عبد المطلب، و الصحيح انه عن عبد المطلب نفسه فإنه هو الّذي جدد حفر زمزم كما قدمنا و اللَّه أعلم. و قد قال الأموي في مغازيه: حدثنا أبو عبيد أخبرنى يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن حرملة سمعت سعيد بن المسيب يحدث أن عبد المطلب بن هاشم حين احتفر زمزم. قال: لا أحلها لمغتسل و هي لشارب حل و بل. و ذلك انه جعل لها حوضين حوضا للشرب، و حوضا للوضوء. فعند ذلك قال:
لا أحلها لمغتسل لينزه المسجد عن ان يغتسل فيه. قال أبو عبيد قال الأصمعي: قوله و بل اتباع قال أبو عبيد و الاتباع لا يكون بواو العطف و انما هو كما قال معتمر بن سليمان ان بل بلغة حمير مباح ثم قال أبو عبيد حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبى النجود انه سمع زرا انه سمع العباس يقول: لا أحلها لمغتسل و هي لشارب حل و بل. و حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن علقمة انه سمع ابن عباس يقول ذلك و هذا صحيح اليهما، و كأنهما يقولان ذلك في أيامهما على سبيل التبليغ و الأعلام بما اشترطه عبد المطلب عند حفره لها فلا ينافي ما تقدم و اللَّه أعلم. و قد كانت السقاية الى عبد المطلب أيام حياته ثم صارت الى ابنه أبى طالب مدة ثم اتفق انه املق في بعض السنين فاستدان من أخيه العباس عشرة آلاف الى الموسم الآخر و صرفها أبو طالب في الحجيج في عامه فيما يتعلق بالسقاية فلما كان العام المقبل لم يكن مع أبى طالب شيء فقال لأخيه العباس أسلفني أربعة عشر الفا أيضا الى العام المقبل أعطيك جميع مالك فقال له العباس: بشرط ان لم تعطني تترك السقاية لي اكفكها فقال: نعم فلما جاء العام الآخر لم يكن مع أبى طالب ما يعطى العباس فترك له السقاية فصارت اليه ثم من بعده صارت الى عبد اللَّه ولده