البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٦ - ذكر تجديد حفر زمزم
يبين لك و إن يك من الشيطان فلن يعود إليك فرجع و نام فأتى فقيل له:
احفر زمزم. إنك إن حفرتها لن تندم. و هي تراث من أبيك الأعظم. لا تنزف أبدا و لا تزم.
تسقى الحجيج الأعظم. مثل نعام جافل لم يقسم. ينذر فيها ناذر بمنعم. تكون ميراثا و عقدا محكم. ليست لبعض ما قد تعلم. و هي بين الفرث و الدم.
قال ابن إسحاق: فزعموا أن عبد المطلب حين قيل له ذلك قال و أين هي؟ قيل له عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غدا. فاللَّه أعلم أي ذلك كان. قال فغدا عبد المطلب و معه ابنه الحارث و ليس له يومئذ ولد غيره. زاد الأموي و مولاه أصرم فوجد قرية النمل و وجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين أساف و نائلة اللذين كانت قريش تنحر عندهما فجاء بالمعول و قام ليحفر حيث أمر فقامت اليه قريش و قالت و اللَّه لا نتركنك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما فقال عبد المطلب. لابنه الحارث: زد عنى حتى احفر فو اللَّه لأمضين لما أمرت به فلما عرفوا أنه غير نازع خلوا بينه و بين الحفر و كفوا عنه فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطمى فكبر و عرف أنه قد صدق فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالتين من ذهب اللتين كانت جرهم قد دفنتهم و وجد فيها أسيافا قلعية و أدرعا. فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك في هذا شرك و حق قال لا و لكن هلم إلى أمر نصف بيني و بينكم نضرب عليها بالقداح قالوا و كيف نصنع قال اجعل للكعبة قدحين و لي قدحين و لكم قدحين فمن خرج قدحاه على شيء كان له و من تخلف قدحاه فلا شيء له. قالوا: أنصفت فجعل للكعبة قدحين أصفرين و له أسودين و لهم أبيضين ثم أعطوا القداح للذي يضرب عند هبل و هبل أكبر أصنامهم و لهذا قال أبو سفيان يوم أحد: أعل هبل. يعنى هذا الصنم.
و قام عبد المطلب يدعو اللَّه. و ذكر يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق أن عبد المطلب جعل يقول:
اللَّهمّ أنت الملك المحمود* * * ربى أنت المبدئ المعيد
و ممسك الراسية الجلمود* * * من عندك الطارف و التليد
إن شئت ألهمت كما ما تريد* * * لموضع الحلية و الحديد
فبين اليوم لما تريد* * * إني نذرت العاهد المعهود
اجعله رب لي فلا أعود
قال و ضرب صاحب القداح فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة، و خرج الأسودان على الأسياف و الادراع لعبد المطلب، و تخلف قدحا قريش. فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، و ضرب في الباب الغزالين من ذهب فكان أول ذهب حلية للكعبة فيما يزعمون. ثم ان عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحاج و ذكر ابن إسحاق و غيره أن مكة كان فيها أبيار كثيرة قبل ظهور زمزم في زمن عبد المطلب ثم عددها ابن إسحاق و سماها و ذكر أماكنها من مكة و حافريها الى أن قال فعفت زمزم على البئار كلها