البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٥ - ذكر تجديد حفر زمزم
رجعت إلى مضجعي فنمت فجاءني فقال احفر المضنونة قال قلت و ما المضنونة؟ قال ثم ذهب عنى فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر زمزم. قال قلت و ما زمزم؟ قال:
لا تنزف أبدا و لا تزم، تسقى الحجيج الأعظم، و هي بين الفرث و الدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل. قال: فلما بين لي شأنها و دل على موضعها و عرف أنه قد صدق غدا بمعوله و معه ابنه الحارث بن عبد المطلب و ليس له يومئذ ولد غيره فحفر فلما بدا لعبد المطلب الطمى كبر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته. فقاموا اليه فقالوا: يا عبد المطلب انها بئر أبينا إسماعيل و إن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها. قال: ما أنا بفاعل إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم و أعطيته من بينكم قالوا له فانصفنا فانا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال: فاجعلوا بيني و بينكم من شئتم أحاكمكم اليه قالوا كاهنة بنى سعد بن هذيم قال: نعم و كانت باشراف الشام فركب عبد المطلب و معه نفر من بنى أمية و ركب من كل قبيلة من قريش نفر فخرجوا و الأرض إذ ذاك مفاوز حتى إذا كانوا ببعضها نفد ماء عبد المطلب و أصحابه فعطشوا حتى استيقنوا بالهلكة فاستسقوا من معهم فأبوا عليهم و قالوا إنا بمفازة و إنا نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم فقال عبد المطلب إني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما لكم الآن من القوة فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخرهم رجلا واحدا فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعه. فقالوا: نعما أمرت به فحفر كل رجل لنفسه حفرة ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشى ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه ألقينا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض لا نبتغى لأنفسنا لعجز فعسى أن يرزقنا ماء ببعض البلاد فارتحلوا حتى إذا بعث عبد المطلب راحلته انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب فكبر عبد المطلب و كبر أصحابه ثم نزل فشرب و شرب أصحابه و استسقوا حتى ملئوا أسقيتهم ثم دعا قبائل قريش و هم ينظرون اليهم في جميع هذه الأحوال فقال هلموا إلى الماء فقد سقانا اللَّه فجاءوا فشربوا و استقوا كلهم ثم قالوا قد و اللَّه قضى لك علينا و اللَّه ما نخاصمك في زمزم أبدا إن الّذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الّذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشدا فرجع و رجعوا معه و لم يصلوا إلى الكاهنة و خلوا بينه و بين زمزم
قال ابن إسحاق فهذا ما بلغني عن على بن أبى طالب في زمزم قال ابن إسحاق و قد سمعت من يحدث عن عبد المطلب أنه قيل له حين أمر بحفر زمزم:
ثم ادع بالماء الروي غير الكدر* * * يسقى حجيج اللَّه في كل مبر
ليس يخاف منه شيء ما عمر
قال فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش فقال تعلموا أنى قد أمرت أن أحفر زمزم قالوا فهل بيّن لك أين هي؟ قال: لا! قالوا فارجع إلى مضجعك الّذي رأيت فيه ما رأيت فان يك حقا من اللَّه