البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٢ - ذكر قس بن ساعدة الأيادي
ابن احمد بن على المقرئ
حدثنا أبو محمد عبد اللَّه بن جعفر بن درستويه النحويّ قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن احمد السعدي- قاضى فارس- حدثنا أبو داود سليمان بن سيف بن يحيى بن درهم الطائي من أهل حران حدثنا أبو عمرو سعيد بن يربع عن محمد بن إسحاق حدثني بعض أصحابنا من أهل العلم عن الحسن بن أبى الحسن البصري أنه قال: كان الجارود بن المعلى بن حنش بن معلى العبديّ نصرانيا حسن المعرفة بتفسير الكتب و تأويلها عالما بسير الفرس و أقاويلها بصيرا بالفلسفة و الطب ظاهر الدهاء و الأدب كامل الجمال ذا ثروة و مال و انه قدم على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وافدا في رجال من عبد القيس ذوى آراء و اسنان و فصاحة و بيان و حجج و برهان فلما قدم على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وقف بين يديه و أشار اليه و أنشأ يقول:
يا بنى الهدى أتتك رجال* * * قطعت فدفدا و آلا فآلا
و طوت نحوك الصحاصح تهوى* * * لا تعد الكلال فيك كلالا
كل بهماء قصّر الطرف عنها* * * أرقلتها قلاصنا إرقالا
و طوتها العتاق يجمح فيها* * * بكماة كانجم تتلألأ
تبتغي دفع بأس يوم عظيم* * * هائل أوجع القلوب وهالا
و مزادا لمحشر الخلق طرا* * * و فراقا لمن تمادى ضلالا
نحو نور من الإله و برهان* * * و بر و نعمة أن تنالا
خصك اللَّه يا ابن آمنة الخير* * * بها إذ أتت سجالا سجالا
فاجعل الحظ منك يا حجة الله* * * جزيلا لا حظ خلف أحالا
قال فأدناه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قرب مجلسه و قال له. يا جارود لقد تأخر الموعود بك و بقومك. فقال الجارود:
فداك أبى و أمى أما من تأخر عنك فقد فاته حظه و تلك أعظم حوبة و اغلظ عقوبة و ما كنت فيمن رآك أو سمع بك فعداك و اتبع سواك و انى الآن على دين قد علمت به قد جئتك و ها أنا تاركه لدينك أ فذلك مما يمحص الذنوب و المآثم و الحوب؟ و يرضى الرب عن المربوب فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أنا ضامن لك ذلك و أخلص الآن للَّه بالوحدانية و دع عنك دين النصرانية. فقال الجارود: فداك أبى و أمى مد يدك فانا اشهد ان لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له و اشهد انك محمد عبده و رسوله. قال: فأسلم و أسلم معه أناس من قومه فسر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بإسلامهم، و أظهر من إكرامهم ما سروا به و ابتهجوا به. ثم اقبل عليهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: أ فيكم من يعرف قس بن ساعدة الأيادي فقال الجارود فداك أبى و أمى كلنا نعرفه و انى من بينهم لعالم بخبره واقف على أمره كان قس يا رسول اللَّه سبطا من أسباط العرب عمر ستمائة سنة تقفر منها خمسة أعمار في البراري و القفار يضج بالتسبيح على مثال المسيح لا يقره قرار و لا تكنه دار و لا يستمتع به جار. كان يلبس الامساح و يفوق السياح، و لا يفتر من رهبانيته يتحسى في سياحته بيض النعام