البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٦ - ذكر حاتم الطائي أحد أجواد الجاهلية
له الخير في معاده و قد قال اللَّه في كتابه: (وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ). و قال تعالى: وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ. و عن الوضاح بن معبد الطائي قال: وفد حاتم الطائي على النعمان ابن المنذر فأكرمه و أدناه ثم زوده عند انصرافه جملين ذهبا و ورقا غير ما أعطاه من طرائف بلده فرحل، فلما أشرف على أهله تلقته أعاريب طيِّئ. فقالت: يا حاتم أتيت من عند الملك و أتينا من عند أهالينا بالفقر فقال: حاتم هلم فخذوا ما بين يدي فتوزعوه فوثبوا الى ما بين يديه من حباء النعمان فاقتسموه. فخرجت الى حاتم طريفة جاريته فقالت له اتّق اللَّه و أبق على نفسك، فما يدع هؤلاء دينارا و لا درهما و لا شاة و لا بعيرا. فأنشأ يقول:
قالت طريفة ما تبقى دراهمنا* * * و ما بنا سرف فيها و لا خرق
إن يفن ما عندنا فاللَّه يرزقنا* * * ممن سوانا و لسنا نحن نرتزق
ما يألف الدرهم الكاري خرقتنا* * * الا يمر عليها ثم ينطلق
إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا* * * ظلت الى سبل المعروف تستبق
و قال أبو بكر بن عياش: قيل لحاتم هل في العرب أجود منك. فقال: كل العرب أجود منى ثم انشأ يحدث. قال: نزلت على غلام من العرب يتيم ذات ليلة و كانت له مائة من الغنم فذبح لي شاة منها و أتاني بها فلما قرب الى دماغها قلت: ما أطيب هذا الدماغ قال فذهب فلم يزل يأتينى منه حتى قلت قد اكتفيت، فلما أصبحت إذا هو قد ذبح المائة شاة و بقي لا شيء له؟ فقيل فما صنعت به فقال: و متى أبلغ شكره و لو صنعت به كل شيء. قال: على كل حال فقال أعطيته مائة ناقة من خيار ابلى. و قال محمد بن جعفر الخرائطى في كتاب مكارم الأخلاق حدثنا العباس بن الفضل الربعي حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثني حماد الراوية و مشيخة من مشيخة طيِّئ. قالوا: كانت عنترة [١] بنت عفيف بن عمرو بن امرئ القيس أم حاتم طيِّئ لا تمسك شيئا سخاء و جودا، و كان اخوتها يمنعونها فتأبى و كانت امرأة موسرة فحبسوها في بيت سنة يطعمونها قوتها لعلها تكف عما تصنع. ثم أخرجوها بعد سنة و قد ظنوا أنها قد تركت ذلك الخلق فدفعوا اليها صرمة من مالها و قالوا استمتعى بها، فأتتها امرأة من هوازن و كانت تغشاها فسألتها فقالت: دونك هذه الصرمة فقد و اللَّه مسنى من الجوع ما آليت ان لا أمنع سائلا ثم أنشأت تقول:
لعمري لقد ما عضنى الجوع عضة* * * فآليت ان لا أمنع الدهر جائعا
فقولا لهذا اللائمى اليوم أعفنى* * * و ان أنت لم تفعل فعض الاصابعا
فما ذا عساكم ان تقولوا لاختكم* * * سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا
و ما ذا ترون اليوم إلا طبيعة* * * فكيف بتركى يا ابن أمي الطبائعا
[١] كذا في الأصل. و في مكارم الأخلاق للخرائطى: غنية بنت عفيف.