البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٣ - خبر ملوك الطوائف
فكان حظ العروس إذ جشر* * * الصبح دماء تجرى سبائبها
و خرب الحضر و استبيح و قد* * * أحرق في خدرها مشاجبها
و قال عدي بن زيد أيضا:
أيها الشامت المعير بالدهر* * * أ أنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الا* * * يام بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلدن أم* * * من ذا عليه من أن يضام خفير
اين كسرى كسرى الملوك* * * أنوشروان أم أين قبله سابور
و بنو الأصفر الكرام ملوك* * * الروم لم يبق منهم مذكور
و أخو الحضر إذ بناه و إذ دجلة* * * تجبى اليه و الخابور
شاده مرمرا و جلله كلسا* * * فللطير في ذراه و كور
لم يهبه ريب المنون فبان* * * الملك عنه فبابه مهجور
و تذكر رب الخورنق إذ* * * أشرف يوما و للهدى تفكير
سره ماله و كثرة ما يملك* * * و البحر معرضا و السدير
فارعوى قلبه و قال و ما غبطة* * * حي الى الممات يصير
ثم اضحوا كأنهم ورق جف* * * فألوت به الصبا و الدبور
قلت: و رب الخورنق الّذي ذكره في شعره رجل من الملوك المتقدمين وعظه بعض علماء زمانه في أمره الّذي كان قد أسرف فيه و عتا و تمرد فيه و اتبع نفسه هواها و لم يراقب فيها مولاها فوعظه بمن سلف قبله من الملوك و الدول و كيف بادوا و لم يبق منهم أحد و أنه ما صار اليه عن غيره الا و هو منتقل عنه إلى من بعده، فأخذته موعظته و بلغت منه كل مبلغ فارعوى لنفسه، و فكر في يومه و أمسه، و خاف من ضيق رمسه. فتاب و أناب و نزع عما كان فيه و ترك الملك و لبس ذي الفقراء و ساح في الفلوات و حظي بالخلوات و خرج عما كان الناس فيه من اتباع الشهوات و عصيان رب السموات و قد ذكر قصته مبسوطة الشيخ الامام موفق بن قدامة المقدسي (رحمه اللَّه) في كتاب التوابين و كذلك أوردها باسناد متين الحافظ أبو القاسم السهيليّ في كتاب الروض الأنف المرتب أحسن ترتيب و أوضح تبيين.
خبر ملوك الطوائف
و أما صاحب الحضر و هو ساطرون فقد تقدم أنه كان مقدما على سائر ملوك الطوائف و كان من زمن إسكندر بن فيلبس المقدوني اليوناني و ذلك لانه لما غلب على ملك الفرس دارا بن دارا و أذل