البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٦ - ذكر سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة فأهلكه اللَّه عاجلا غير آجل كما قال اللَّه تعالى
ثم يجلو النهار رب رحيم* * * بمهاة شعاعها منشور
حبس الفيل بالمغمس حتى* * * صار يحبو كأنه معقور
لازما حلقة الجران كما قد* * * من صخر كبكب محدور
حوله من ملوك كندة أبطال* * * ملاويث في الحروب صقور
خلفوه ثم ابذعروا جميعا* * * كلهم عظم ساقه مكسور
كل دين يوم القيامة عند اللَّه* * * إلا دين الحنيفة بور
و من ذلك قول أبى قيس بن الاسلت أيضا:
فقوموا فصلوا ربكم و تمسحوا* * * بأركان هذا البيت بين الاخاشب
فعندكم منه بلاء مصدق* * * غداة أبى يكسوم هادي الكتائب
كتيبته بالسهل تمشى و رجله* * * على القاذفات في رءوس المناقب
فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم* * * جنود المليك بين ساف و حاصب
فولوا سراعا هاربين و لم يؤب* * * إلى أهله ملحبش غير عصائب
و من ذلك قول عبيد اللَّه بن قيس الرقيات في عظمة البيت و حمايته بهلاك من أراده بسوء:
كاده الاشرم الّذي جاء بالفيل* * * فولى و جيشه مهزوم
و استهلت عليهم الطير بالجندل* * * حتى كأنه مرجوم
ذاك من يغزه من الناس ير* * * جع و هو فل من الجيوش ذميم
قال ابن إسحاق و غيره فلما هلك ابرهة ملك الحبشة بعده ابنه يكسوم. ثم من بعده أخوه مسروق ابن ابرهة و هو آخر ملوكهم. و هو الّذي انتزع سيف بن ذي يزن الحميري الملك من يده بالجيش الذين قدم بهم من عند كسرى أنوشروان كما سيأتي بيانه و كانت قصة الفيل في المحرم سنة ست و ثمانين و ثمانمائة من تاريخ ذي القرنين و هو الثاني إسكندر ابن فلبس المقدوني الّذي يؤرخ له الروم و لما هلك ابرهة و ابناه و زال ملك الحبشة عن اليمن هجر القليس الّذي كان بناه ابرهة و أراد صرف حج العرب اليه لجهله و قلة عقله. و أصبح يبابا لا أنيس به.
و كان قد بناه على صنمين و هما كعيب و امرأته و كانا من خشب طول كل منهما ستون ذراعا في السماء و كانا مصحوبين من الجان و لهذا كان لا يتعرض أحد إلى أخذ شيء من بناء القليس و أمتعته الا أصابوه بسوء.
فلم يزل كذلك الى أيام السفاح أول خلفاء بنى العباس فذكر له أمره و ما فيه من الأمتعة و الرخام الّذي كان ابرهة نقله اليه من صرح بلقيس الّذي كان باليمن فبعث اليه من خربه حجرا حجرا و أخذ جميع ما فيه من الأمتعة و الحواصل هكذا ذكره السهيليّ و اللَّه أعلم.