البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٢ - ذكر سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة فأهلكه اللَّه عاجلا غير آجل كما قال اللَّه تعالى
لنا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فان هو لم يرد حربي فائتنى به فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش و شريفها فقيل له عبد المطلب بن هاشم. فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة. فقال له عبد المطلب و اللَّه ما نريد حربه و ما لنا بذلك من طاقة هذا بيت اللَّه الحرام و بيت خليله إبراهيم (عليه السلام)- أو كما قال- فان يمنعه منه فهو حرمه و بيته و ان يخل بينه و بينه فو اللَّه ما عندنا دفع عنه. فقال له حناطة فانطلق معى اليه فإنه قد أمرنى أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب و معه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر و كان له صديقا- حتى دخل عليه و هو في محبسه فقال له يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر و ما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا؟ ما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لي. فسأرسل اليه و أوصيه بك و أعظم عليه حقك و اسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك و يشفع لك عنده بخير ان قدر على ذلك. فقال حسبي. فبعث ذو نفر الى أنيس فقال له ان عبد المطلب سيد قريش و صاحب عين مكة يطعم الناس بالسهل و الوحوش في رءوس الجبال و قد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه و أنفعه عنده بما استطعت. قال افعل.
فكلم أنيس أبرهة فقال له أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك و هو صاحب عين مكة و هو الّذي يطعم الناس بالسهل و الوحوش في رءوس الجبال فائذن له عليك فليكلمك في حاجته فاذن له أبرهة قال و كان عبد المطلب أوسم الناس و أعظمهم و أجملهم فلما رآه أبرهة أجله و أكرمه عن أن يجلسه تحته و كره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه. فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه و أجلسه معه عليه إلى جانبه ثم قال لترجمانه قل له حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان فقال حاجتي أن يرد على الملك مائتي بعير أصابها لي فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه قل له لقد كنت أعجبتنى حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتنى. أ تكلمني في مائتي بعير أصبتها لك و تترك بيتا هو دينك و دين آبائك قد جئت لأهدمه لا تكلمني فيه؟ فقال له عبد المطلب إني أنا رب الإبل و إن للبيت ربا سيمنعه. فقال ما كان ليمتنع منى. قال أنت و ذاك. فرد على عبد المطلب إبله.
قال ابن إسحاق و يقال إنه كان قد دخل مع عبد المطلب على أبرهة يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة سيد بنى بكر و خويلد بن وائلة سيد هذيل فعرضوا على ابرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم و لا يهدم البيت فأبى عليهم ذلك فاللَّه أعلم أ كان ذلك أم لا.
فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب الى قريش فأخبرهم الخبر و أمرهم بالخروج من مكة و التحرز في رءوس الجبال. ثم قام عبد المطلب فاخذ بحلقة باب الكعبة و قام معه نفر من قريش يدعون اللَّه و يستنصرونه على أبرهة و جنده. و قال عبد المطلب- و هو آخذ بحلقة باب الكعبة-:
لا هم إن العبد يمنع* * * رحله فامنع رحالك