البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧١ - ذكر سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة فأهلكه اللَّه عاجلا غير آجل كما قال اللَّه تعالى
فتهيأت و تجهزت. ثم سار و خرج معه بالفيل و سمعت بذلك العرب فاعظموه و فظعوا به و رأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا بانه يريد هدم الكعبة بيت اللَّه الحرام. فخرج إليه رجل كان من أشراف أهل اليمن و ملوكهم يقال له ذو نفر. فدعا قومه و من اجابه من سائر العرب الى حرب أبرهة و جهاده عن بيت اللَّه الحرام و ما يريده من هدمه و إخرابه. فأجابه من أجابه الى ذلك. ثم عرض له فقاتله. فهزم ذو نفر و أصحابه و أخذ له ذو نفر فأتى به أسيرا. فلما أراد قتله قال له ذو نفر يا أيها الملك لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من القتل. فتركه من القتل و حبسه عنده في وثاق و كان أبرهة رجلا حليما ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعميّ في قبيلتي خثعم و هما شهران و ناهس و من تبعه من قبائل العرب فقاتله فهزمه أبرهة و أخذ له نفيل أسيرا فأتى به فلما هم بقتله قال له نفيل أيها الملك لا تقتلني فأنى دليلك بأرض العرب و هاتان يداي لك على قبيلتي خثعم- شهران و ناهس- بالسمع و الطاعة. فخلى سبيله و خرج به معه يدله. حتى إذا مر بالطائف خرج اليه مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف في رجال ثقيف فقالوا له أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس عندنا لك خلاف. و ليس بيتنا هذا البيت الّذي تريد- يعنون اللات- إنما تريد البيت الّذي بمكة و نحن نبعث معك من يدلك عليه فتجاوز عنهم قال ابن إسحاق و اللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة. قال فبعثوا معه أبارعال يدله على الطريق الى مكة فخرج أبرهة و معه ابو رغال حتى أنزله بالمغمس. فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك فرجمت قبره العرب فهو القبر الّذي يرجم الناس بالمغمس و قد تقدم في قصة ثمود أن أبا رغال كان رجلا منهم و كان يمتنع بالحرم فلما خرج منه أصابه حجر فقتله و
ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لأصحابه «و آية ذلك أنه دفن معه غصنان من ذهب»
فحفروا فوجدوهما قال و هو أبو ثقيف قلت و الجمع بين هذا و بين ما ذكر ابن إسحاق أن أبارغال هذا المتأخر وافق اسمه اسم جده الأعلى و رجمه الناس كما رجموا قبر الأول أيضا و اللَّه أعلم. و قد قال جرير:
إذا مات الفرزدق فارجموه* * * كرجمكم لقبر أبى رغال
الظاهر أنه الثاني قال ابن إسحاق فلما نزل أبرهة بالمغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مفصود على خيل له حتى انتهى الى مكة. فساق اليه أموال تهامة من قريش و غيرهم. و أصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب ابن هاشم- و هو يومئذ كبير قريش و سيدها- فهمت قريش و كنانة و هذيل و من كان بذلك الحرم بقتاله.
ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك. و بعث أبرهة حناطة الحميري الى مكة و قال له سل عن سيد أهل هذا البلد و شريفهم، ثم قل له ان الملك يقول إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت فان لم تعرضوا