البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٥ - قصة تبع أبى كرب تبان أسعد ملك اليمن مع أهل المدينة
فما ذا تأمراننى أن أصنع إذا انا قدمت عليه قالا تصنع عنده ما يصنع أهله تطوف به و تعظمه و تكرمه و تحلق رأسك عنده و تذلل له حتى تخرج من عنده قال فما يمنعكما أنتما من ذلك قالا أما و اللَّه إنه لبيت أبينا إبراهيم (عليه السلام) و انه لكما أخبرناك و لكن أهله حالوا بيننا و بينه بالأوثان التي نصبوها حوله و بالدماء التي يهريقون عنده و هم نجس أهل شرك أو كما قالا له فعرف نصحهما و صدق حديثهما و قرب النفر من هذيل فقطع أيديهم و أرجلهم ثم مضى حتى قدم مكة فطاف بالبيت و نحر عنده و حلق رأسه و أقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها للناس و يطعم أهلها و يسقيهم العسل و أرى في المنام أن يكسوا البيت فكساء الخصف ثم أرى في المنام ان يكسوه أحسن من ذلك فكساء المعافر ثم أرى أن يكسوء أحسن من ذلك فكساء الملاء و الوصائل و كان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت و أوصى به ولاته من جرهم و أمرهم بتطهيره و أن لا يقربوه دما و لا ميتة و لا مئلاة و هي المحايض و جعل له بابا و مفتاحا ففي ذلك قالت سبيعة بنت الأحب تذكر ابنها خالد بن عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب و تنهاه عن البغي بمكة و تذكر له ما كان من أمر تبع فيها.
ابني لا تظلم بمكة* * * لا الصغير و لا الكبير
و احفظ محارمها بني* * * و لا يغرنك الغرور
ابني من يظلم بمكة* * * يلق أطراف الشرور
أبنى يضرب وجهه* * * و يلج بخديه السعير
أبنى قد جربتها* * * فوجدت ظالمها يبور
اللَّه آمنها و ما* * * بنيت بعرصتها قصور
و اللَّه آمن طيرها* * * و العصم تامن في ثبير
و لقد غزاها تبع* * * فكسا بنيتها الحبير
و أذل ربى ملكه* * * فيها فأوفى بالنذور
يمشى اليها حافيا* * * بفنائها ألفا بعير
و يظل يطعم أهلها* * * لحم المهارى و الجزور
يسقيهم العسل المصفى* * * و الرحيض من الشعير
و الفيل أهلك جيشه* * * يرمون فيها بالصخور
و الملك في أقصى البلاد* * * و في الأعاجم و الخزور
فاسمع إذا حدثت و أفهم* * * كيف عاقبة الأمور
قال ابن إسحاق ثم خرج تبع متوجها الى اليمن بمن معه من الجنود و بالحبرين حتى إذا دخل اليمن