البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣١ - * قصة أصحاب الأخدود
قرية من قراها قريبا من نجران (و نجران هي القرية العظمى التي اليها جماع أهل تلك البلاد) ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر فلما نزلها فيمون و لم يسموه لي بالاسم الّذي سماه ابن منبه قالوا رجل نزلها فابتنى خيمة بين نجران و بين تلك القرية التي فيها الساحر و جعل أهل نجران يرسلون غلمانهم الى ذلك الساحر يعلمهم السحر فبعث التامر ابنه عبد اللَّه بن التامر مع غلمان أهل نجران فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته و صلاته فجعل يجلس اليه و يسمع منه حتى أسلم فوحد اللَّه و عبده و جعل يسأله عن شرائع الإسلام حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم و كان يعلمه فكتمه إياه و قال له يا ابن أخى انك لن تحمله أخشى ضعفك عنه و التامر لا يظن الا أن ابنه عبد اللَّه يختلف الى الساحر كما يختلف الغلمان فلما رأى عبد اللَّه أن صاحبه قد ضن به عنه و تخوف ضعفه فيه عمد الى قداح فجمعها ثم لم يبق للَّه اسما يعلمه الا كتبه في قدح لكل اسم قدح حتى إذا أحصاها أو قد نارا ثم جعل يقذفها قدحا قدحا حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره شيئا فأخذه ثم أتى به صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الأعظم الّذي قد كتمه فقال و ما هو قال كذا و كذا قال و كيف علمته فأخبره بما صنع قال أي ابن أخى قد أصبته فأمسك على نفسك و ما أظن أن تفعل فجعل عبد اللَّه بن التامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر الا قال يا عبد اللَّه أ توحد اللَّه و تدخل في ديني و أدعو اللَّه لك فيعافيك عما أنت فيه من البلاء و دعا له فعوفي حتى رفع شأنه الى ملك نجران فدعاه فقال أفسدت عليّ أهل قريتي و خالفت ديني و دين آبائي لأمثلن بك قال لا تقدر على ذلك فجعل يرسل به الى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع الى الأرض ما به بأس و جعل يبعث به الى مياه بنجران بحور لا يلقى فيها شيء الا هلك فيلقى به فيها فيخرج ليس به بأس فلما غلبه قال له عبد اللَّه بن التامر و اللَّه لا تقدر على قتلى حتى توحد اللَّه فتؤمن بما آمنت به فإنك ان فعلت سلطت عليّ فقتلتني قال فوحد اللَّه ذلك الملك و شهد شهادة عبد اللَّه بن التامر ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله و هلك الملك مكانه و استجمع أهل نجران على دين عبد اللَّه بن التامر و كان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل و حكمه ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحزاب فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران قال ابن إسحاق فهذا حديث محمد بن كعب و بعض أهل نجران عن عبد اللَّه بن التامر فاللَّه أعلم أي ذلك كان قال فسار اليهم ذو نواس بجنده فدعاهم الى اليهودية و خيرهم بين ذلك أو القتل فاختاروا القتل فخدوا الأخدود و حرق بالنار و قتل بالسيف و مثل بهم فقتل منهم قريبا من عشرين الفا ففي ذي نواس و جنده أنزل اللَّه على رسوله (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ الآيات) و هذا يقتضي أن هذه القصة غير ما وقع في سياق مسلم و قد زعم بعضهم أن الأخدود وقع في العالم كثيرا كما قال ابن أبى حاتم. حدثنا أبى حدثنا أبو اليمان أنبأنا صفوان عن عبد الرحمن ابن جبير قال كانت الأخدود في اليمن زمان تبع و في القسطنطينة زمان قسطنطين حين صرف النصارى