البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٨ - قصة الرجلين المؤمن و الكافر
وَ هُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً) إلى قوله (هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً). قال بعض الناس هذا مثل مضروب و لا يلزم أن يكون واقعا و الجمهور أنه أمر قد وقع و قوله (وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا) يعنى لكفار قريش في عدم اجتماعهم بالضعفاء و الفقراء و ازدرائهم بهم و افتخارهم عليهم كما قال تعالى وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ كما قدمنا الكلام على قصتهم قبل قصة موسى (عليه السلام) و المشهور أن هذين كانا رجلين مصطحبين و كان أحدهما مؤمنا و الآخر كافرا و يقال إنه كان لكل منهما مال فأنفق المؤمن ماله في طاعة اللَّه و مرضاته ابتغاء وجهه* و أما الكافر فإنه اتخذ له بساتين و هما الجنتان المذكورتان في الآية على الصفة و النعت المذكور. فيهما أعناب و نخيل تحف تلك الأعناب و الزروع في ذلك و الأنهار سارحة هاهنا و هاهنا للسقي و التنزه و قد استوثقت فيهما الثمار و اضطربت فيهما الأنهار و ابتهجت الزروع و الثمار و افتخر مالكهما على صاحبه المؤمن الفقير قائلا له (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَ أَعَزُّ نَفَراً) أي أوسع جنانا. و مراده انه خير منه و معناه ما ذا أغنى عنك إنفاقك ما كنت تملكه في الوجه الّذي صرفته فيه كان الأولى بك أن تفعل كما فعلت لتكون مثلي فافتخر على صاحبه (وَ دَخَلَ جَنَّتَهُ وَ هُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ) أي و هو على غير طريقة مرضية قال (ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً) و ذلك لما رأى من اتساع أرضها و كثرة مائها و حسن نبات أشجارها و لو قد بادت كل واحدة من هذه الأشجار لاستخلف مكانها أحسن منها و زروعها دارّة لكثرة مياهها. ثم قال (وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً) فوثق بزهرة الحياة الدنيا الفانية و كذب بوجود الآخرة الباقية الدائمة. ثم قال (وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً) أي و لئن كان ثم آخرة و معاد فلأجدن هناك خيرا من هذا و ذلك لانه اغتر بدنياه و اعتقد أن اللَّه لم يعطه ذلك فيها إلا لحبه له و حظوته عنده كما قال العاص بن وائل فيما قص اللَّه من خبره و خبر خباب بن الأرت في قوله (أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا) و قال لَأُوتَيَنَّ مالًا وَ وَلَداً. أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً و قال تعالى اخبارا عن الإنسان إذا أنعم اللَّه عليه (لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَ لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) قال اللَّه تعالى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ و قال قارون (إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) أي لعلم اللَّه بى أنى أستحقه قال اللَّه تعالى أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً وَ لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ و قد قدمنا الكلام على قصته في أثناء قصة موسى. و قال تعالى وَ ما أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ. و قال تعالى أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ. و لما اغتر هذا الجاهل بما خول به في الدنيا فجحد الآخرة و ادعى أنها ان وجدت ليجدن عند ربه خيرا مما هو فيه و سمعه صاحبه يقول ذلك قال له