البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٢ - * ذكر أمتى يأجوج و مأجوج
من نوم محمرا وجهه و هو يقول (لا إله إلا اللَّه ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج و مأجوج مثل هذه و حلق تسعين) قلت يا رسول اللَّه أ نهلك و فينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث.
و أخرجاه في الصحيحين من حديث وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (فتح اليوم من ردم يأجوج و مأجوج مثل هذا و عقد تسعين).
فالجواب أما على قول من ذهب الى أن هذا اشارة إلى فتح أبواب الشر و الفتن و ان هذا استعارة محضة و ضرب مثل فلا إشكال. و اما على قول من جعل ذلك اخبارا عن امر محسوس كما هو الظاهر المتبادر فلا إشكال أيضا لان قوله (فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) أي في ذلك الزمان لأن هذه صيغة خبر ماض فلا ينفى وقوعه فيما يستقبل باذن اللَّه لهم في ذلك قدرا و تسليطهم عليه بالتدريج قليلا قليلا حتى يتم الأجل و ينقضي الأمر المقدور فيخرجون كما قال اللَّه تعالى وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ و لكن الحديث الآخر أشكل من هذا و هو ما
رواه الامام أحمد في مسندة قائلا حدثنا روح حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة حدثنا أبو رافع عن أبى هريرة عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (ان يأجوج و مأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الّذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون اليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم و أراد اللَّه أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الّذي عليهم ارجعوا فستحفرون غدا إن شاء اللَّه و يستثنى فيعودون اليه و هو كهيئة يوم تركوه فيحفرونه و يخرجون على الناس فيستقون المياه و تتحصن الناس في حصونهم فيرمون بسهامهم الى السماء فترجع و عليها كهيئة الدم فيقولون قهرنا أهل الأرض و علونا أهل السماء فيبعث اللَّه عليهم نغفا في اقفائهم فيقتلهم بها. قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (و الّذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن و تشكر شكرا من لحومهم و دمائهم و رواه احمد أيضا عن حسن بن موسى عن سفيان عن قتادة به و هكذا رواه ابن ماجة من حديث سعيد عن قتادة الا أنه قال حديث أبو رافع و رواه الترمذي من حديث أبى عوانة عن قتادة به.
ثم قال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه فقد أخبر في هذا الحديث أنهم كل يوم يلحسونه حتى يكادوا ينذرون شعاع الشمس من ورائه لرقته فان لم يكن رفع هذا الحديث محفوظا و انما هو مأخوذ عن كعب الأحبار كما قاله بعضهم فقد استرحنا من المؤنة و ان كان محفوظا فيكون محمولا على أن ضيعهم هذا يكون في آخر الزمان عند اقتراب خروجهم كما هو المروي عن كعب الأحبار أو يكون المراد بقوله (وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً) أي نافذا منه فلا ينفى أن يلحسوه و لا ينفذوه و اللَّه أعلم و على هذا فيمكن الجمع بين هذا و بين ما في الصحيحين عن أبى هريرة فتح اليوم من ردم يأجوج و مأجوج مثل هذه و عقد تسعين أي فتح فتحا نافذا فيه و اللَّه أعلم
*