البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٠ - * ذكر أمتى يأجوج و مأجوج
اللَّه تعالى أخبر أنه استجاب لعبده نوح في دعائه على أهل الأرض بقوله (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) و قال تعالى فَأَنْجَيْناهُ وَ أَصْحابَ السَّفِينَةِ و قال (وَ جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) و تقدم في الحديث المروي في المسند و السنن أن نوحا ولد له ثلاثة و هم سام و حام و يافث فسام أبو العرب و حام أبو السودان و يافث أبو الترك فيأجوج و مأجوج طائفة من الترك و هم مغل المغول و هم أشد بأسا و أكثر فسادا من هؤلاء و نسبتهم اليهم كنسبة هؤلاء إلى غيرهم. و قد قيل إن الترك إنما سموا بذلك حين بنى ذو القرنين السد و الجأ يأجوج و مأجوج إلى ما وراءه فبقيت منهم طائفة لم يكن عندهم كفسادهم فتركوا من ورائه* فلهذا قيل لهم الترك.
و من زعم أن يأجوج و مأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم فاختلطت بتراب فخلقوا من ذلك و انهم ليسوا من حواء فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النواوى في شرح مسلم و غيره و ضعفوه و هو جدير بذلك إذ لا دليل عليه بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص القرآن* و هكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة و أطوال متباينة جدا. فمنهم من هو كالنخلة السحوق.
و منهم من هو غاية في القصر. و منهم من يفترش أذنا من أذنيه و يتغطى بالأخرى فكل هذه أقوال بلا دليل و رجم بالغيب بغير برهان. و الصحيح أنهم من بنى آدم و على اشكالهم و صفاتهم. و قد
قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (إن اللَّه خلق آدم و طوله ستون ذراعا)
ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن. و هذا فيصل في هذا الباب و غيره. و ما قيل من أن أحدهم لا يموت حتى يرى من ذريته ألفا فان صح في خبر قلنا به و الا فلا نرده إذ يحتمله العقل و النقل أيضا قد يرشد اليه و اللَّه أعلم. بل قد ورد حديث مصرح بذلك ان صح
قال الطبراني حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن العباس الأصبهاني حدثنا أبو مسعود احمد بن الفرات حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا المغيرة عن مسلم عن أبى إسحاق عن وهب بن جابر عن عبد اللَّه بن عمرو عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (ان يأجوج و مأجوج من ولد آدم و لو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم و لن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته الفا فصاعدا. و ان من ورائهم ثلاث أمم (تاويل و تاريس و منسك).
و هو حديث غريب جدا و اسناده ضعيف. و فيه نكارة شديدة* و أما الحديث الّذي ذكره بن جرير في تاريخه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذهب اليهم ليلة الاسراء فدعاهم إلى اللَّه فامتنعوا من اجابته و متابعته و أنه دعا تلك الأمم التي هناك (تاريس و تاويل و منسك) فأجابوه فهو حديث موضوع اختلقه أبو نعيم عمرو بن الصبح أحد الكذابين الكبار الذين اعترفوا بوضع الحديث و اللَّه أعلم.
فان قيل فكيف دل الحديث المتفق عليه أنهم فداء المؤمنين يوم القيامة و أنهم في النار و لم يبعث اليهم رسل. و قد قال اللَّه تعالى وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فالجواب أنهم لا يعذبون إلا بعد قيام الحجة عليهم و الاعذار اليهم كما قال تعالى وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فان كانوا في زمن