نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤٠١ - نقول من ابن سعيد متنزه الفاطميين بمصر
لأشغال الموحدين أبا العلاء [١] إدريس بن علي بن أبي العلاء بن جامع ، فاشتمل علي ، وأولاني من البر ما قيّدني وأمال قلبي إليه ، مع تأكيد ما بينه وبين ابن عمي من الصحبة ، فلم يزل ينهض بي ، ويرفع أمداحي للملك ، ويوصّل إليه رسائلي ، منبّها على ذلك ، مرشحا ، إلى أن قبض الملك على كاتب عسكره ، وكان يقرأ بين يديه كتب المظالم ، فاحتيج إلى من يخلفه في ذلك ، فنبه الوزير علي ، وارتهن فيّ ، مع أني كنت من كتّاب الملك ، فقلدني قراءة المظالم المذكورة ، وسفر لي الوزير عنده في دار الكاتب المؤخر ، فأنعم بها ، فوجد الوشاة مكانا متسعا للقول ، فقالوا وزوروا من الأقاويل المختلفة ما مال بها حيث مالوا ، وظهر منه مخايل التغيير ، فجعلت أداريه وأستعطفه ، فلم ينفع فيه قليل ولا كثير ، إلى أن سعى في تأخير والدي عن الكتب للأمير الأسعد أبي يحيى ابن ملك إفريقية ، ثم سعى في تأخيري ، فأخرت عن الكتابة وعن قراءة [٢] المظالم ، فانفردت بالكتابة للوزير المذكور ، وفوض إليّ جميع أموره ، وأولاني من التأنيس ما أنساني تلك الوحشة ، ومن العز ما أنقذني من تلك الذلة. [بحر الطويل]
| فرد عليّ العيش بعد ذهابه | وآنسني بعد انفرادي من الأهل | |
| وقالوا [٣] إذا ما الوبل فاتك فاقتنع | بما قد تسنّى عندك الآن من طلّ[٤] | |
| ووالله ما نعماه طلّ وإنما | تأدّبه غيث يجود على الكل | |
| رآني أظمأ في الهجيرة ضاحيا | فرق وآواني إلى الماء والظل |
ولم أزل عنده في أسرّ حال ما لها تكدير إلا ما يبلغني من أن ابن عمي لا يزال يسعى في حقي بما أخشى مغبّته ، وخفت أن يطول ذلك ، فيسمع منه ، ولا ينفع دفاع الوزير المذكور عني ، فرغبت له في أن يرفع للملك أني راغب في السّراح إلى المشرق برسم الحج :
[بحر المتقارب]
| ومن بلّه الغيث في بطن واد | وبات فلا يأمننّ السيولا |
فلم يسعفني في ذلك ، ولامني على تخوّفي ، وقلة ثقتي بحمايته ، فرفعت له هذه القصيدة : [بحر الطويل]
| هل الهجر إلا أن يطول التجنّب | ويبعد من قد كان منه التقرّب |
[١] في ج : «أبا العلى».
[٢] في ه : «وعن كتاب المظالم».
[٣] في ب : «وقال».
[٤] الوبل : المطر الغزير. والطلّ : المطر الخفيف وفي القرآن الكريم (فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ).