نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٤٥ - وصف المتنزهات من ترجمة عبد الله ابن السيد البطليوسي
الراح ، والحضّ على النبذ للهموم والاطّراح ، بمعاطاة كأسها ، وموالاة إيناسها ، ومعاقرة دنانها ، واهتصار ثمار الفتوّة من أفنانها [١] ، والإعراض عن الأيام وأنكادها ، والجري في ميدان الصّبوة إلى أبعد آمادها : [الكامل]
| سلّ الهموم إذا نبا زمن | بمدامة صفراء كالذّهب | |
| مزجت فمن درّ على ذهب | طاف ومن حبب على لهب | |
| وكأنّ ساقيها يثير شذى | مسك لدى الأقوام منتهب |
ولله هو فقد ندب إلى المندوب ، وذهب إلى مداواة القلوب من الندوب ، وإبرائها من الآلام ، وإهدائها كلّ تحية وسلام ، وإبهاجها بآصال وبكر ، وعلاجها من هموم وفكر ، في زمن حلي عاطله ، وجلّي في أحسن الصور باطله ، ونفقت محالاته [٢] ، وطبقت أرضه وسماءه استحالاته ، فليثه كأسد ، وذئبه مستأسد وأضغاثه تنسر [٣] ، وبغاثه قد استنسر [٤] ، فلا استراحة إلا في معاطاة حميّا ، ومواخاة وسم المحيّا [٥] ، وقد كان ابن عمار ذهب مذهب ، وفضّضه بالإبداع وذهّبه ، حين دخل سرقسطة ورأى غباوة أهلها ، وتكاثف جهلها ، وشاهد منهم من لا يعلم معنى ولا فصلا ، وواصل من لا يعرف قطعا ولا وصلا ، فأقبل على راحه يتعاطاها ، وعكف عليها ما تعدّاها ولا تخطّاها ، حتى بلغه أنهم نقموا معاقرته العقار ، وجالت ألسنتهم في توبيخه مجال ذي الفقار [٦] ، فقال : [الطويل]
| نقمتم عليّ الرّاح أدمن شربها | وقلتم فتى راح وليس فتى مجد | |
| ومن ذا الّذي قاد الجياد إلى الوغى | سواي ومن أعطى كثيرا ولم يكد؟[٧] | |
| فديتكمو لم تفهموا السّرّ ، إنّما | قليتكم جهدي فأبعدتكم جهدي |
[٨] ودعى ابن السيد ليلة إلى مجلس قد احتشد فيه الأنس والطرب ، وقرع فيه السرور نبعه بالغرب ، ولاحت نجوم أكواسه ، وفاح نسيم رنده وآسه ، وأبدت صدور أباريقه أسرارها ،
[١] الأفنان : جمع فنن ، وهو الغصن. وفي ب : وأفنانها.
[٢] نفقت حالاته : راجت.
[٣] في ب : وحفّاثه تنمر.
[٤] أخذه في المثل : إن البغاث بأرضنا تستنسر.
[٥] في ب : وسيم المحيا.
[٦] ذو الفقار : سيف الإمام علي بن أبي طالب.
[٧] أكدى : لم يظفر بحاجته.
[٨] قليتكم : كرهتكم.