نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١١٢ - من أخبار المنصور الكبير محمد بن أبي عامر والمصحفي
| يا خير من مدّت الأيدي إليه أما | ترثي لشيخ نعاه عندك القلم | |
| بالغت في السّخط فاصفح صفح مقتدر | إنّ الملوك إذا ما استرحموا رحموا |
فأجابه المنصور بأبيات لعبد الملك الجزيري : [البسيط]
| يا جاهلا بعد ما زلّت بك القدم | تبغي التكرّم لمّا فاتك الكرم | |
| ندمت إذ لم تعد منّي بطائلة | وقلّما ينفع الإذعان والنّدم | |
| نفسي إذا جمحت ليست براجعة | ولو تشفّع فيك العرب والعجم |
فبقي في المطبق حتى مات ، نعوذ بالله تعالى من دعوة المظلوم ، انتهى.
وقد ذكر بعضهم فيه هذه الأبيات زيادة حسبما ذكرناه في غير هذا المحل ، فإن هذه الأبيات للمنصور ، وهذا المؤرخ مصرح بأنها لعبد الملك الجزيري ، وقد يقال : لا منافاة بينهما ، فإن المنصور أجاب بالأبيات ، وهل هو قائلها أم لا؟ الأمر أعم ، فبين هنا ، والله أعلم.
وقال بعض مؤرخي المغرب : إن الحاجب المصحفي حصل له في هذه النكبة من الهلع والجزع ما لم يظن أنه يصدر من مثله ، حتى إنه كتب إلى المنصور بن أبي عامر يطلب منه أن يقعد في دهليزه معلما لأولاده ، فقال المنصور بدهائه وحذفه : إن هذا الرجل يريد أن يحط من قدري عند الناس ، لأنهم طالما رأوني بدهليزه خادما ومسلما ، فكيف يرونه الآن في دهليزي معلما؟! وكان المنصور يذهب به بعد نكبته معه في غزواته ، حتى إنه حكى بعضهم أنه رأى الحاجب المصحفي في ليلة نهى المنصور فيها الناس عن إيقاد النيران تعمية على العدو الكافر ، وهو ينفخ فحما في كانون صغير ويخفيه تحت ثيابه ، أو كما قال ، فسبحان مديل [١] الدول ، لا إله إلا هو ، فإن هذا المصحفي بلغ من الجلالة والعظم [٢] والتحكم في الدولة المدة المديدة أمرا لا مزيد عليه ، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
ولقد ذكر بعض علماء [٣] المغاربة أن من أعاجيب انقلاب الدنيا بأهلها قصة المنصور بن أبي عامر مع الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي ، ولم يزل أعداء المنصور بن أبي عامر يتربّصون به الدوائر ، فغلب سعده الذي هو المثل السائر ، وربما همس بعض الشعراء بهجوه
[١] مديل الدول : يقال : دالت له دولة ، أي صارت إليه. ومديل الدول : الذي ينقلها من إنسان إلى آخر ، وهو مالك الملك سبحانه.
[٢] في ب : والعظمة.
[٣] في ب ، ه : بعض العلماء المغاربة.