نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٩ - وصف الديار الدائرة
قد كان منزله مألف الأضياف ، ومأنس الأشراف ، ومنتجع الرّكب ، ومقصد الوفد ، فاستبدل بالأنس وحشة ، وبالضياء ظلمة ، واعتاض من تزاحم المواكب ، تلاطم النّوادب ، ومن ضجيج النداء والصّهيل ، عجيج البكاء والعويل.
ومن رسالة لابن الأثير الجزري يصف دمنة دار لعبت بها أيدي الزمن ، وفرقت بين المسكن والسكن : كانت مقاصير جنّة ، فأصبحت وهي ملاعب جنّة ، وقد عميت أخبار قطّانها ، وآثار أوطانها ، حتى شابهت إحداهما في الخفاء ، الأخرى في العفاء ، وكنت أظن أنها لا تسقى بعدهم بغمام ، ولا يرفع عنها جلباب ظلام ، غير أن السحاب بكاهم فأجرى بها هوامع دموعه ، والليل شقّ عليهم جيوبه فظهر الصباح من خلال صدوعه.
وقد لمح في بعض كلامه قول الشريف الرضي من أبيات يصف فيها ما كان في الحيرة من منازل النعمان بن المنذر [١] : [الكامل]
| ما زلت أطّرق المنازل باللّوى | حتّى نزلت منازل النّعمان | |
| بالحيرة البيضاء حيث تقابلت | شمّ العماد عريضة الأعطان[٢] | |
| ما ينفع الماضين أن بقيت لهم | خطط معمّرة بعمر فاني | |
| شهدت بفضل الرّافعين قبابها | ويبين بالبنيان فضل الباني | |
| ما ينفع الماضين أن بقيت لهم | خطط معمّرة بعمر فاني |
يقول فيها :
| ولقد رأيت بدير هند منزلا | ألما من الضّرّاء والحدثان | |
| يغضي كمستمع الهوان تغيّبت | أنصاره وخلا من الأعوان | |
| بالي المعالم أطرقت شرفاته | إطراق منجذب القرينة عاني | |
| أمقاصر الغزلان غيّرك البلى | حتى غدوت مرابض الغزلان | |
| وملاعب الإنس الجميع طوى الرّدى | منهم فصرت ملاعب الجنّان |
ومنها :
[١] ديوان الشريف الرضي ج ٢ ص ٤٦٨.
[٢] شمّ : جمع أشمّ ، وهو العالي المرتفع. الأعطان : مبارك الإبل ، واحدها عطن ، كني بذلك عن الشرف واليسار.