نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٠ - وصف المباني العظيمة
ثم آل الأمر بعد ذلك كله إلى استيلاء ملوك العدوة من الملثمين والموحّدين ، على قرطبة ، إلى أن تسلمها النصارى ، أعادها الله تعالى للإسلام! كما يذكر في الباب الثامن.
وقال صاحب «مناهج الفكر» في ذكر قرطبة ، ما ملخصه : فأما ما اشتمل عليه غرب الجزيرة ، من البلاد الخطيرة ، فمنها قرطبة ، وكانت مقر الملك ، ودار الإمارة ، وأمّ ما عداها من البلاد ، منذ افتتحها المسلمون سنة ٩٢ زمن الوليد بن عبد الملك إلى أن خرجت عن أيديهم ، وتنقلت في أيدي ملوك المسلمين إلى أن وصلت إلى الناصر عبد الرحمن ، فبنى في تجاهها مدينة سماها الزهراء ، يجري بينهما نهر عظيم ، انتهى.
واعلم أن المباني دالة على عظيم قدر بانيها ، كما ذكرناه في كلام الناصر الذي طابت له من الزهراء مجانيها ، ولم يزل البلغاء يصفون المباني ، بأحسن الألفاظ والمعاني ، ورأينا أن نذكر هنا بعض ذلك ، زيادة في توسيع المسالك ، فمن ذلك قول ابن حمديس الصقلي [١] يصف دارا بناها المعتمد على الله [٢] : [الطويل]
| ويا حبّذا دار قضى الله أنّها | يجدّد فيها كلّ عزّ ولا يبلى[٣] | |
| مقدّسة لو أن موسى كليمه | مشى قدما في أرضها خلع النّعلا | |
| وما هي إلّا خطّة الملك الّذي | يحطّ إليه كلّ ذي أمل رحلا[٤] | |
| إذا فتحت أبوابها خلت أنّها | تقول بترحيب لداخلها أهلا | |
| وقد نقلت صنّاعها من صفاته | إليها أفانينا فأحسنت النّقلا | |
| فمن صدره رحبا ومن نوره سنى | ومن صيته فرعا ومن حلمه أصلا | |
| فأعلت به في رتبة الملك ناديا | وقلّ له فوق السّماكين أن يعلى | |
| نسيت به إيوان كسرى لأنّني | أراه له مولى من الحسن لا مثلا | |
| كأنّ سليمان بن داود لم تبح | مخافته للجنّ في صنعه مهلا |
[١] ابن حمديس الصقلي : هو عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس. ولد ونشأ في سرقوسة ثم هاجر إلى الأندلس ، ومدح المعتمد بن عباد إلى أن عزل عن ملكه ، فغادر الشاعر الأندلس إلى المغرب ، وظل يتنقل إلى أن توفي سنة ٥٢٧ ه. (انظر مقدمة ديوانه ط صادر بيروت).
[٢] انظر ديوان الشاعر ص ٣٧٥ ـ ٣٨٠.
[٣] البيت في الديوان :
| ويا حبذا دار يد الله مسحت | عليها بتجديد البقاء فما تبلى |
[٤] في ب : يخطّ إليه كل ذي أمل رجلا.