نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٣٦ - عود إلى أبي الوليد الباجي
| إذا كنت أعلم علم اليقين | بأنّ جميع حياتي كساعه | |
| فلم لا أكون ضنينا بها | وأجعلها في صلاح وطاعه |
وقد ذكرناهما فيما يأتي قريبا من كلام الفتح ، لكوننا نقلنا كلامه بلفظه ، رحمه الله تعالى ، ورضي عنه!.
وقال في القلائد في حق الباجي رحمه الله تعالى ، ما صورته : بدر العلوم اللائح ، وقطرها الغادي الرائح ، وثبيرها الذي لا يزحم ، ومنيرها الذي ينجلي به ليلها الأسحم ، كان إمام الأندلس الذي تقتبس أنواره ، وتنتجع نجوده وأغواره ، رحل إلى المشرق فعكف على الطلب ساهرا ، وقطف من العلم أزاهرا ، وتفنن في اقتنائه ، وثنى إليه عنان اعتنائه ، حتى غدا مملوء الوطاب ، وعاد بلح طلبه إلى الإرطاب ، فكر إلى الأندلس بحرا لا تخاض لججه ، وفجرا لا يطمس منهجه ، فتهادته الدول ، وتلقته الخيل والخول ، وانتقل من محجر إلى ناظر ، وتبدل من يانع بناضر ، ثم استدعاه المقتدر بالله فصار إليه مرتاحا ، وبدا بأفقه ملتاحا ، وهناك ظهرت تواليفه وأوضاعه ، وبدا وخده في سبل الهدى [١] وإيضاعه ، وكان المقتدر يباهي بانحياشه إلى سلطانه ، وإيثاره لحضرته باستيطانه ، ويحتفل فيما يرتبه له ويجريه ، وينزله في مكانه متى كان يوافيه ، وكان له نظم يوقفه على ذاته ، ولا يصرفه في رفث القول وبذاته [٢].
فمن ذلك قوله في معنى الزهد : [المتقارب]
| إذا كنت أعلم علم اليقين | بأنّ جميع حياتي كساعه | |
| فلم لا أكون ضنينا بها | وأجعلها في صلاح وطاعه |
وله يرثي ابنيه وماتا مغتربين ، وغربا كوكبين ، وكانا ناظري الدهر ، وساحري النّظم والنثر : [الطويل]
| رعى الله قبرين استكانا ببلدة | هما أسكناها في السّواد من القلب | |
| لئن غيّبا عن ناظري وتبوّآ | فؤادي لقد زاد التّباعد في القرب | |
| يقرّ بعيني أن أزور ثراهما | وألصق مكنون التّرائب بالتّرب[٣] | |
| وأبكي وأبكي ساكنيها لعلّني | سأنجد من صحب وأسعد من سحب |
[١] في ب ، ه : في سبل العلم. والوخد والإيضاع : ضربان من السير السريع.
[٢] رفث القول : فحش الكلام. وبذاته : وبذاءته.
[٣] الترائب : عظام الصدر مما يلي الترقوتين. والترب : المقصود : تربة القبر.