نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٦٣ - وصف المتنزهات من ترجمة ابن عمار
فسكر أحد الحاضرين سكرا مثل له ميدان الحرب ، وسهل عليه مستوعر الطعن والضرب ، فقلب مجلس الأنس حربا وقتالا ، وطلب الطعن وحده والنزالا [١] ، فقال ذو الرياستين :
| نفس الذّليل تعزّ بالجريال | فيقاتل الأقران دون قتال[٢] | |
| كم من جبان ذي افتخار باطل | بالرّاح تحسبه من الأبطال | |
| كبش النّديّ تخمّطا وعرامة | وإذا تشبّ الحرب شاة نزال |
وقال في ترجمة ابن طاهر ، ما صورته : وجئته يوما وقد وقفت بباب الحنش ، فقال لي : من أين؟ فأعلمته ، ووصفت له ما عاينته من حسنه وتأملته ، فقال لي : كنت أخرج إليه في أكثر الليالي مع الوزير الأجل أبي بكر ـ يعني ابن عبد العزيز ـ إلى روضته التي ودت الشمس أن يكون منها طلوعها ، وتمنى المسك أن تنضم عليه ضلوعها ، والزمان غلام ، والعيش أحلام ، والدنيا تحية وسلام ، والناس قد انتشروا في جوانبه ، وقعدوا على مذانبه [٣] ، وفي ساقيته الكبرى دولاب يئن كناقة إثر حوار ، أو كثكلى من حر الأوار ، وكل مغرم يجعل فيه ارتياحه ، بكرته ورواحه ، ويغازل عليه حبيبه ، ويصرف إليه تشبيبه ، فخرجت عليه ليلة والمتنبي الجزيري واقف وأمامه ظبي آنس ، تهيم به المكانس ، وفي أذنيه قرطان ، كأنهما كوكبان ، وهو يتأود تأود غصن البان ، والمتنبي يقول : [الرمل]
| معشر النّاس بباب الحنش | بدر تمّ طالع في غبش | |
| علّق القرط على مسمعه | من عليه آفة العين خشي |
فلما رآني أمسك ، وسبح كأنه قد تنسك [٤].
وقال في ترجمة ابن عمار ، ما صورته : وتنزه بالدمشق بقرطبة ، وهو قصر شيده بنو أمية بالصّفّاح والعمد ، وجروا من إتقانه إلى غاية وأمد ، [٥] وأبدع بناؤه ، ونمقت ساحته وفناؤه ، واتخذوه ميدان مراحهم ، ومضمارا لانشراحهم ، وحكوا به قصرهم بالمشرق ، وأطلعوه كالكوكب الثاقب المشرق ، فحله أبو بكر بن عمار على أثر بوسه ، وابتسم له دهره بعد عبوسه ، والدنيا قد أعطته عفوها ، وسقته صفوها ، وبات فيه مع لمّة [٦] من أتباعه ، ومتفيئي
[١] أخذه من قول المتنبي :
| وإذا ما خلا الجبان بأرض | طلب الطعن وحده والنزالا |
[٢] الجريال : الخمر.
[٣] المذانب : جمع مذنب ، وهو مجرى الماء من الروضة إلى غيرها.
[٤] في ب : كأنه قد تنسك.
[٥] في ب : إلى غير أمد.
[٦] اللّمة : الجماعة.