نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٦١ - وصف المتنزهات من ترجمة ابن رزين
ثم قال بعد كلام : وخرج إلى برجة ودلاية وهما منظران [١] لم يجل في مثلهما ناظر ، ولم تدع حسنهما الخدود النواضر ، غصون تثنّيها الرياح ، ومياه لها انسياح ، وحدائق تهدي الأرج والعرف ، ومنازه [٢] تبهج النفس وتمتع الطرف ، فأقام فيها أياما يتدرج في مسارحها ، ويتصرف في منازهها ، وكانت نزهة أربت على نزهة هشام بدير الرّصافة ، وأنافت عليها أي إنافة.
وقال في ترجمة ابن رزين ، ما ملخصه : أخبرني الوزير أبو عامر بن سنون [٣] أنه اصطبح يوما والجوّ سماكي العوارف [٤] ، لا زورديّ المطارف ، والروض أنيقة لبّاته ، رقيقة هبّاته ، والنور مبتلّ ، والنسيم معتلّ ، ومعه قومه ، وقد راقهم يومه ، وصلاته تصافح معتفيهم ، ومبرّاته تشافه موافيهم ، والراح تشعشع ، وماء الأماني ينشع ، فكتب إلى ابن عمار وهو ضيفه : [الطويل]
| ضمان على الأيّام أن أبلغ المنى | إذا كنت في ودّي مسرا ومعلنا | |
| فلو تسأل الأيّام : من هو مفرد | بودّ ابن عمّار؟ لقلت لها : أنا | |
| فإن حالت الأيّام بيني وبينه | فكيف يطيب العيش أو يحصل المنى [٥] |
فلما وصلت الرقعة إليه تأخر عن الوصول ، واعتذر بعذر مختلّ المعاني والفصول ، فقال أحد الحاضرين : إني لأعجب من قعود ابن عمار ، عن هذا المضمار ، مع ميله إلى السّماع ، وكلفه بمثل هذا الاجتماع ، فقال ذو الرياستين : إن الجواب تعذر ، فلذا اعتذر ، لأنه يعاني قوله ويعلّله ، ويروّيه ولا يرتجله ، ويقوله في المدة ، والساعات الممتدة [٦] ، فرأى أن الوصول بلا جواب إخجال لأدبه ، وإخلال لمنازله في الشعر ورتبه ، فلما كان من الغد ورد ابن عمار ومعه الجواب ، وهو : [الطويل]
| هصرت لي الآمال طيّبة الجنى | وسوّغتني الأحوال مقبلة الدّنى | |
| وألبستني النّعمى أغضّ من النّدى | وأجمل من وشي الرّبيع وأحسنا | |
| وكم ليلة أحظيتني بحضورها | فبتّ سميرا للسّناء وللسّنا [٧] | |
| أعلّل نفسي بالمكارم والعلا | وأذني وكفّي بالغناء وبالغنى |
[١] في ب : نظران.
[٢] في ب : منازل.
[٣] بن سنون : زيادة من القلائد.
[٤] في ه : مسكي العوارف.
[٥] في ب : أو يحسن الغنا.
[٦] في ب : ويقوله في المدة الممتدة ، فرأى ..
[٧] السناء : العلو والرفعة. والسنا : الضوء الشديد.