معتمد تحرير الوسيلة - الظهيري، عباس - الصفحة ٢٨ - الجهة الثانية أركان التأمين
ولكن مقتضى التحقيق: أنّ عملية التأمين وإن أمكن إنشاؤها بشكل الهبة المعوّضة- بأن يدفع المستأمن إلى المؤمّن مبلغاً معيّناً على سبيل الدفعة أو التدريج؛ بشرط أن يتعهّد المؤمّن بجبر الخسارة الواردة على ماله- ولكنّ الواقعية المألوفة الرائجة في العرف العالمي لإنشاء عقد التأمين، أجنبية عن نظرية الهبة المعوّضة؛ وذلك لأنّها متقوّمة بالبذل؛ بأن يكون التمليك من جانب الواهب مجّاناً، ولا يكون بإزائه من جانب الموهوب له عوض، وإنّما يشترط عليه أمر للواهب، وعليه الوفاء به، مع أنّه في عملية التأمين لا يكون ارتكاز المستأمنين على تمليك أقساط التأمين للشركة مجّاناً وبلا عوض، بل يكون تمليكها بارتكازهم، عوضاً عن تعهّد الشركة بتدارك الخسارة المعيّنة الواردة على ماله؛ بحيث يعدّ عندهم هذا التعهّد الموجب لأمان مالي، عوضاً عن الأقساط التي يدفعها إلى شركة التأمين، ومن هنا تتصدّى شركة التأمين لإيجاب العقد، والمستأمن لقبوله؛ على ما صرّح به في «القانون المدني» على خلاف نظرية الهبة المعوّضة المقتضية لتصدّي المستأمن لإيجاب الهبة، والشركة لقبولها.
هذا، مضافاً إلى توقّف صحّة الهبة على القبض، ولازم ذلك عدم تمامية الهبة قبله، ونتيجة هذه النكتة أن تتحقّق بكلّ قسط من الأقساط التي يدفعها المستأمن إلى الشركة، هبة مستقلّة خاصّة، وبالمآل تنعقد هبات عديدة بعدد الأقساط، ويلزم أيضاً أن لا يكون المستأمن موظّفاً بدفع مبلغ الاستئمان (أقساط التأمين) إلى شركة التأمين لعدم صحّة عقد التأمين قبل قبض الأقساط على الفرض؛ ولا يخفى أنّ غرضنا من هذه النكتة ليس جعل التعارض بين حكم الشرع بأنّ صحّة الهبة المعوّضة متوقّفة على قبض الموهوب وبين القانون المدني الحاكم في العقد التأميني