معتمد تحرير الوسيلة - الظهيري، عباس - الصفحة ٣٠٢ - ما هي حقيقة الشخصية الحقوقية؟
الثالث: مسلك الاعتبارية: وهذا المسلك الحقوقي رزح بين المسلك الأوّل القائل بأنّ الشخصية الحقوقية لها وجود حقيقي خارجي بالتقريب المتقدّم، وبين المسلك الثاني، القائل بأ نّها مجاز، ليس لها حظّ من الحقيقة تعتبرها الدولة لغرض تسهيل الامور.
وبيان هذه الفكرة هو أنّ الشخصية الحقوقية لها وجود حقيقي لا مجازي، ولكنّه ليس من سنخ الواقعيات الخارجية، التي لها تأصّل في الخارج، ولا تدور مدار أيّ اعتبار ولحاظ، بل هي من سنخ الاعتباريات، التي تتقوّم باعتبار العقلاء، وليس لها وراءه حقيقة اخرى، فلاحظ البنك مثلًا الذي هو من أبرز مصاديق الشخصية الحقوقية، فإنّه ليس في جوهره البناية، التي تدار فيها العمليات البنكية، ولا الهيئة المتصدّية لأدارته ولا رئيس البنك بشخصه الحقيقي، بل ولا بشخصه الحقوقي، وإنّما هو عنوان قانوني اعتبره العقلاء لمركز ذي نظام أساسي، وهيئة متصدّية للعمليات البنكية، وتمويل من الدولة بمقدار معتدّ به من الأوراق النقدية، ورئيس معيّن من قبل الدولة. وإن شئت قلت: إنّ البنك عنوان اعتباري عقلائي متقوّم بهذه الامور بأجمعها، بعد انضمام بعضها إلى بعض، ولكن لا بشخصها، بل بصنفها بالتوضيح المتقدّم في الجواب والأوّل عن الوجه الأوّل، ويترتّب عليه عناوين حقوقية، كالملكية والضمان والدين والإقراض، وغيرها من الأحكام الوضعية، ولا تتّصف بهذه الأوصاف على نحو المجاز، بل على وجه الحقيقة، كما أنّه قابل لتوجيه الأحكام القانونية، وكذا الأحكام الشرعية من الواجب والحرام إليه، إلّاأنّ المخاطب بها والمسؤول عنها هو المتصدّي والمتولّي عليه كرئيس البنك.
وهذه النظرية يساعدها العرف العام كما عليه أكثر أرباب عالم الحقوق، وسيأتي مزيد تحقيق حول هذا المبحث في فصل أحكام البنوك إن شاء اللَّه تعالى.