معتمد تحرير الوسيلة - الظهيري، عباس - الصفحة ١٤ - التأمين ومساره التأريخي
العامّة كفكرة لها قوانينها ونظمها الخاصّة، ولنأخذ لذلك مثلًا، فإنّ هذه المساعدات التي تصل إلى الإنسان من أقاربه وأصدقائه عند مرضه أو حلول كارثة به لهي نفسها فكرة التأمين بشكلها البدائي»[١].
لكنّه لا يخلو من نقاش؛ وذلك لأنّ التأمين الذي نتتبّع مساره التأريخي، ليس كلّ أمر يوجب إعانة للشخص على رفع شدائده أو جبران الكوارث الواردة عليه؛ ولو كان بنحو الهبة أو الصلة أو الصدقة أو بأيّ عنوان عقدي غير معاوضي آخر، بل المراد به هو التأمين العقدي المعاوضي الذي هو من العقود المعاوضية المتقدّمة بالإنشاء والتعويض من الطرفين؛ قولًا، أو فعلًا، وأين هذا من التأمين المترتّب على المساعدات والموهوبات التي تصل إلى الإنسان أحياناً من أقاربه أو أصدقائه عند مرضه أو حلول كارثة به؟! فإنّها ليست عقداً، ولا معاوضة، وإنّما هي إيقاعات في جوهرها نوع من التمليك بلا عوض، وقد تكون بسبيل الصدقة، وليست أمراً بدائياً، بل هي موجودة في زماننا بنحو أوسع، والتأمين بهذا المعنى مشهود في جميع الصدقات المستحبّة، وكذا الواجبة، كالزكوات، والكفّارات، بل النذورات للفقراء والمساكين، حيث إنّها تأمين لهم في أمر معيشتهم وما يطرأ عليهم من الكوارث والحوادث المفاجئة، ولكنّها بأجمعها أجنبية عن التأمين العقدي المعاملي الذي هو محطّ بحثنا هذا.
وقد يقال- كما قيل-: «إنّ البابليين في العراق القديم أوّل من عرف عقد التأمين بشكله الابتدائي، وكان عندهم عبارة عن عقد قرض ساعد على ازدهار التجارة ما بين (٤٠٠٠- ٣٠٠٠) قبل الميلاد، وكان هدف عقد التأمين لدى
[١]- بحوث فقهية، من محاضرات الفقيه المحقّق الشيخ حسين الحلّي قدس سره: ١٦ ..