معتمد تحرير الوسيلة - الظهيري، عباس - الصفحة ١٥ - التأمين ومساره التأريخي
البابليين هو ضمان درء أخطار النهب والسرقة التي تتعرّض لها قوافل التجّار، ومنهم انتقل العقد إلى الفينيقيين وإلى البحر المتوسّط. كما قيل: إنّ اليونان عرفت عقد القرض البحري في القرن الرابع قبل الميلاد، حيث ساعد على ازدهار تجارتها»[١].
وتوضيح مراد هذا القائل: أنّ في عصر البابليين إذا كان صاحب مال قيّم يريد أن ينقله من بلد إلى بلد آخر ويخاف عليه من ناحية أخطار تهدّده- كسرقة قطّاع الطريق ونحوها- يطلب تاجراً أميناً قادراً على حفظ ماله، فيقرضه ماله حتّى يتّجر به ذاك التاجر، فينتفع به، ثمّ يدفع إليه بدله في البلد الذي اشترط تسليم عوض القرض فيه، فالقرض الذي حقيقته هو التمليك مع الضمان، يصير بهذا الشكل سبباً لازدهار التجارة في حقّ التاجر، ولحفظ المال في حقّ مالكه، وهذا نوع تأمين للمال من الكوارث والخسارات المحتملة.
ولكن بعد إمعان النظر يظهر: أنّ هذا القرض بالشكل المتقدّم وإن وقع بداعي استئمان المال وحفظه من الأخطار، إلّاأنّه أجنبي في جوهره عن التأمين العقدي؛ وذلك لأنّ القرض حقيقته التمليك مع الضمان؛ بحيث لا يفوت من المقرض شيء من ماله الذي أقرضه، وأين هذا من عقد التأمين المتداول الذي حقيقته عند بعض- كالمحقّق السيّد الخوئي قدس سره- من سنخ الهبة المعوّضة[٢]، وعند آخر- كالإمام الراحل قدس سره- من نوع العقود المستقلّة[٣]، وعند ثالث- كالمحقّق الفقيه الشيخ حسين الحلّي- أعلى اللَّه مقامه الشريف- من سنخ الضمان[٤]، وقد احتمله السيّد المحقّق
[١]- التأمين نظريةً وتطبيقاً، جليل قسطو: ١١ ..
[٢]- منهاج الصالحين ١: ٤٢١ ..
[٣]- تحرير الوسيلة ٢: ٦٠٩ ..
[٤]- بحوث فقهية، من محاضرات الفقيه المحقّق الشيخ حسين الحلّي: ٣٨ ..