تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٦٣ - الشراب الطهور
و هو شراب يتناولونه لمرة واحدة، و لا يحتاج إلى تكرار .. و لعله لأجل ذلك جاء بصيغة الفعل الماضي: «سقاهم»، و لم يقل: «يسقيهم».
فما يسقيهم ربهم إياه هو شراب يطهرهم من كل عناء الدنيا، و من جميع شوائبها، فكما أن الماء الطهور يطهر الثوب، كذلك الشراب الطهور الذي يسقيهم اللّه إياه مطهر لنفوسهم و أرواحهم من كل ما نالها من تعب و عناء، و ما تعرضت له من أذى في الدنيا و بلاء .. و مذهب لكل ما ينغص عليهم عيشهم، و يكدر نعيمهم و ملكهم ..
و بهذا السقي الربوبي، الذي تطهر به نفوسهم و أرواحهم، تتهيأ و تستعد لاستقبال أنواع النعيم، بصافي الفطرة، و بكامل القدرة ..
و من المعلوم أن المبالغة تارة تكون لتأكيد الكثرة أو القلة في الأفراد، و أخرى تكون لتأكيد حالة الشدة أو الضعف، أو الصغر أو الكبر ..
فالمبالغة في كلمة صبور ناظرة إلى بيان شدة الصبر. و المبالغة في ملول، ناظرة إلى كثرة الملل الذي يحصل منه في مرات كثيرة ..
و كذلك حين نقول: صدوق أو كذوب. فإنها ناظرة إلى كثرة أفراد الصدق و الكذب التي تصدر منه ..
و فيما نحن فيه نقول: إن الطهورية مبالغة في الطاهر، من جهة إنه طاهر في نفسه، و لا ينجسه غيره. كماء البحر، و قد تكون من حيث أنه طاهر بنفسه مطهر لغيره، مهما تكثرت أفراد ذلك الغير، فإن البحر يبقى مطهرا له. و تبقى طهوريته في نفسه، مهما كثر عروض النجاسات عليه، فإنها لا تؤثر فيه ..