سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٦٩ - ما أفرزته الشورى
و كان معاوية واليا له على الشام تولاها لابن الخطاب بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان، و لعله كان أسوأ منهم جميعا من حيث نواياه السيئة التي كان يضمرها للإسلام، في حين أنه لم يكن في أكثر حالاته عنيفا في سياسته مع الناس، فقد دله ذكاؤه أن يصطنع الحلم و الرفق و الجود وسعة الصدر أحيانا لأن هذا الأسلوب كان يقربه من الناس و يهيء له ما يريد من ملك و سلطان، و إذا عوتب على تبذير الأموال و شراء الضمائر و الأنصار بها يقول: إن الأرض للّه و نحن خلفاء اللّه في أرضه فما أخذناه من الأموال فهو لنا و ما تركناه فهو جائز لنا.
و قد ورث معاوية من أبيه أبي سفيان و أمه هند بنت عتبة التي لم يعرف تاريخ المرأة نظيرا لها في شراستها و أنانيتها و قسوتها أكثر مزاياهما و خصائصهما بالاضافة إلى ما في نفسه من مزايا قومه و آبائه الأولين و أظهرها حب الرئاسة عن أي طريق كانت، و كما ذكرنا لقد وجد في خلافة عثمان مجالا للعمل لنفسه و لأهل بيته و استطاع أن يحقق في ظل خلافته الكثير لصالح تلك الأسرة التي استقبلت فجرا جديدا من أحلامها في تلك الفترة من تاريخ الإسلام، هذا و المسلمون و الصفوة المختارة من الصحابة يراقبون ما يحدث من ابن عفان و ولاته بمرارة و ألم، و يتعرضون للضرب و الشتم و الطرد منه و من ظغمته الفاسدة كلما استنكروا أمرا أو حاولوا الحد من تصرفاتهم، فلقد روى اليعقوبي و غيره من المؤرخين أن عثمان بن عفان لما كلف زيد بن ثابت و عبد الله بن الزبير و سعيد بن العاص، و عبد الرحمن بن الحرث بجمع القرآن و كتابته بلغة قريش و أكملوا عملهم أرسله إلى جميع المناطق التي كانت تخضع لحكم الإسلام و أمر ولاته أن يجمعوا المصاحف التي كانت في أيدي الناس و يحرقوها، فباشر ولاته ذلك فور وصول الصورة التي جمعها الأربعة بلغة قريش على حد زعم الرواة، فامتنع عبد الله بن مسعود من تسليم النسخة التي كانت بيده، فكتب عبد الله بن عامر إلى عثمان يخبره بذلك، فرد عليه بكتاب يأمره فيه بأن يرسل ابن مسعود إلى المدينة وعد ذلك جرأة عليه، و كان مروان بن الحكم و من معه من أسرته يدفعونه إلى استعمال الشدة و القسوة و خنق جميع التحركات و الأصوات التي كانت ترتفع من هنا و هناك منكرة أعمالهم و تصرفاتهم.