سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٤٥١ - المارقون
يبعث أشقاها فيخضب هذه من هذا مشيرا إلى رأسه الكريم و لحيته الشريفة، و يتمنى لو أن معاوية صارفه فيهم صرف الدينار بالدرهم فأخذ منه عشرة و أعطاه واحدا من أهل الشام، و وطن نفسه أخيرا أن يخرج لحرب معاوية بمن هم على رأيه من أهله و عشيرته و أنصاره فيقاتل بهم حتى يلقى اللّه في سبيل الحق و العدل و تحدث إليهم حديثا لا لبس فيه و حملهم تبعات ما سينجم عن تخاذلهم فقال لهم كما جاء في رواية البلاذري في أنساب الأشراف:
اما أني قد سئمت من عتابكم و خطابكم فبينوا لي ما أنتم فاعلون، فإن كنتم شاخصين معي إلى عدوي فهو ما أطلب و ما أحب، و إن كنتم غير فاعلين فاكشفوه لي عن أمركم، فو اللّه لئن لم تخرجوا معي بأجمعكم إلى عدوكم فتقاتلوه حتى يحكم اللّه بيننا و بينه و هو خير الحاكمين لأدعون اللّه عليكم ثم لأسيرن إلى عدوكم و لو لم يكن معي إلا عشرة، و مضى يقول: اجلاف أهل الشام أصبر على نصرة الضلال و أشد اجماعا على الباطل منكم على هواكم و حقكم ما بالكم و ما دواؤكم أن القوم امثالكم لا ينشرون إن قتلوا إلى يوم القيامة.
و كان على ما يبدو لهذا الموقف الحازم منه أثره في نفوس القوم بعد أن أيقنوا بأنه سيخرج بنفسه و أهله و خاصته إلى معاوية، و سيلحقهم بذلك الخزي و العار و يصبحون حديث الأجيال إذا هم تركوه يخرج على هذا الحال، فرد عليه زعماؤهم ردا جميلا، و جمع كل رئيس منهم قومه و تداعوا للجهاد من كل جانب و تعاقدوا على الموت معه، حتى أصبحت الحرب حديث الناس، و أرسل إلى عماله في مختلف المناطق يدعوهم للاشتراك معه بمن عندهم من الجيوش و المقاتلين، و خرج الناس إلى معسكراتهم في النخيلة ينتظرون انسلاخ شهر رمضان من سنة اربعين لهجرة النبي (ص)، و أرسل أمير المؤمنين زياد بن حفصة في جماعة من أصحابه طليعة بين يديه، و بقي هو مع الجيش ينتظر انسلاخ الشهر المبارك، و إذا بالقدر ينقض عليه و على أهل العراق فيكمن له اشقى الأولين و الآخرين في فجر اليوم التاسع عشر من ذلك الشهر و هو في بيت اللّه فيضربه على رأسه الشريف و هو يصلي لربه فيخر منها في محرابه و هو يقول:
فزت و رب الكعبة.