سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٨٠ - حديث زواجها من عليّ
لقد استقبلت الزهراء حياتها الجديدة بعقل نيّر و قلب مفتوح لرسالة أبيها و هي تدرك على صغر سنها معنى بنوتها لمن اصطفاه اللّه و اختاره بشيرا و نذيرا لأهل الأرض ما دامت السموات و الأرض، و لم تأس على ما فاتها من مرح الصبا و لهو الحداثة، و لا عز عليها أن تتخلى عما هو منتظر لأمثالها من راحة و خلو بال، فلم يشغلها عن رعاية أبيها و الانصراف لشؤونه شيء من شئون الطفولة و لا من شئون الناس و صمدت لجميع الأحداث مع قسوتها و جسامتها لم تساورها الشكوك و لو لحظة واحدة و لا و هنت عزيمتها طرفة عين أبدا و ظلت تراقب الأحداث بعد هجرة أبيها في جوّ مشحون بالقلق على مصيره حتى انضمت إلى موكب الهجرة في البلد الأمين، فأحست بالانفراج مما كانت تعانيه من القلق و الخوف على أبيها و دعوته و بخاصة بعد أن رأت أصحابه الجدد في دار هجرته يتسابقون إلى الإسلام و البذل و العطاء و يندفعون إلى السرايا و الغزوات و يحققون الانتصار تلو الانتصار، و رأت ابن عمها البطل الذي عاشت معه طويلا في كنف أبويها الرحيمين الكريمين، و الذي لم يكن بين فتية قريش و لا بين جميع العرب من يساويه في البطولات و التضحيات و الدفاع عن النبي (ص).
لقد رأته و قد تجاوز العشرين من السنين ألصق بأبيها من جميع المسلمين، و قد احتل من نفسه مكانا لم يكن ليطمع به أو يحلم ببلوغه أحد من مهاجري المسلمين و أنصارهم، و سمعت أباها يقول له و حشود المسلمين من حوله يوم آخى بين المهاجرين و الأنصار: لقد تركتك لنفسي، فأنت أخي في الدنيا و الآخرة، و كانت تحس له في نفسها بمكانة ليست لأحد من الناس و بروابط أعمق من رابطة الأخوة و أبناء العمومة الأقربين و لكنها لم تكن تستطيع تفسير أحاسيسها نحوه بما خبأه لهما الغد القريب من الزواج الذي اختاره اللّه لهما لأنها كانت تؤثر بقاءها إلى جانب أبيها ملتزمة بيته لتوفر له أسباب الراحة و الاستقرار على الزواج و جميع متع هذه الدنيا حتى بعد أن تزوج بأكثر من واحدة من النساء.
و ما أن دخلت السنة الثانية من هجرة النبي (ص) و بدأت طلائع الاستقرار تلوح للمسلمين حتى بدأ الخطاب يتسابقون إلى النبي يطلبونها منه و هو