سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٨٩ - علي بعد البيعة
و أما مالك فقد قرأ على ربيعة الرائي، و ربيعة أخذ عن عكرمة، و عكرمة أخذ عن عبد الله بن العباس، و عبد الله مصدره الإمام علي بن أبي طالب، و مضى يقول: و إن شئت رددت إليه علم الشافعي من حيث أنه كان من تلامذة مالك، و مالك من تلامذة ربيعة، و ربيعة ينتهي في علمه إلى علي (ع) كما ذكرنا.
و قد أراد اللّه لعلي بن أبي طالب (ع) أن يكون ركن العربية في علومها كما كان ركن الإسلام في علومه و ساعده على ذلك تبحره فيها و منطقه السليم و قواه الذهنية الخارقة، فهو بحق واضع الأساس فيها و ممهد طريقها لكل من أتى بعده، و مما أثبته التاريخ أن أبا الأسود الدؤلي دخل على أمير المؤمنين يوما فرآه مطرقا مفكرا فقال له:
فيم تفكر يا أمير المؤمنين؟ فقال أني سمعت في بلدكم هذه لحنا، فأردت أن اضع كتابا في أصول العربية، ثم القى إليه صحيفة فيها الكلام اسم و فعل و حرف.
و في رواية ثانية قال له اكتب يا أبا الأسود ما أمليه عليك فتناول أبو الأسود قلما و صحيفة فأملى عليه كلام العرب يتركب من اسم و فعل و حرف، فالاسم ما انبأ عن المسمى و الفعل ما انبأ عن حركة المسمى، و الحرف ما انبأ عن معنى ليس باسم و لا فعل، و إن الأشياء ثلاثة ظاهر و مضمر و شيء ليس بظاهر و لا مضمر، يعني بذلك اسم الاشارة، ثم قال: انح هذا النحو يا أبا الأسود فعرف ذلك العلم بعلم النحو من ذلك اليوم.
و أضاف إلى ذلك ابن أبي الحديد في شرح النهج أن كبار الصحابة و غيرهم كانوا يرجعون إليه و لا يجدون له بديلا و يقفون عند رأيه واثقين بأنهم قد أخذوا بحكم اللّه و من المعدن الذي أخذ عنه أستاذه و معلمه الأكبر محمد بن عبد الله.
فقد استطاع علي (ع) بعد الرسول (ص) أن يجد منفذا لطاقاته العلمية في مجتمع تراكمت فيه المشاكل و التبست الأمور و وجد المسلمون أنفسهم امام واقع جديد و أحداث جديدة لا عهد لهم بها من قبل، في هذه الفترة من حياته