سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٠٣ - زهده في الدنيا
حتى مجلت يداي، ثم أخذت التمر و أتيت به رسول اللّه (ص) فأكل منه.
و في رواية ثانية تنتهي بسندها إلى سويد بن غفلة رواها أحمد في فضائله و غيره عن سويد بن غفلة أنه قال: دخلت على علي (ع) يوما و ليس في داره سوى حصير رث و هو جالس عليه فقلت يا أمير المؤمنين أنت ملك المسلمين و الحاكم عليهم و على بيت المال و تأتيك الوفود و ليس في بيتك سوى هذا الحصير، فبكى و قال: يا سويد أن البيت لا يتأثث في دار النقلة و أمامنا دار المقامة و قد نقلنا إليها متاعنا و نحن منقلبون إليها عن قريب، فأبكاني و اللّه كلامه. و نقل الرواة عن ضرار بن حمزة أنه دخل على معاوية يوما، فقال له يا ضرار صف لي عليا. فقال له: اعفني يا معاوية، فقال له لا أعفيك، فقال له ضرار: أما إذا كان لا بد من ذلك، فقد كان و اللّه بعيد المدى شديد القوى يقول فعلا و يحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه و تنطق الحكمة على لسانه يستوحش من الدنيا و زهرتها و يستأنس بالليل و ظلمته، كان و اللّه غزير الدمعة كثير الفكرة يقلب كفه و يستوحش نفسه يعجبه من اللباس ما خشن و من الطعام ما جشب و كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه و يبتدئنا إذا أتيناه و يأتينا إذا دعوناه، و نحن و اللّه مع قربه منا و دنوه إلينا لا نكلمه هيبة له و لا نبتدئه لعظمه في نفوسنا فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين و يحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله و لا ييأس الضعيف من عدله، و أشهد باللّه يا معاوية لقد رأيته في بعض مواقفه ليلة و قد أرخى الليل سدوله و غابت نجومه و قد مثل قائما في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين، و كأني اسمعه و هو يقول: إليك عني يا دنيا غري غيري أبي تعرضت أم الي تشوفت هيهات هيهات قد طلقتك ثلاثا لا رجعت لي فيك فعمرك قصير و عيشك حقير و خطرك كبير، آه من قلة الزاد و بعد السفر و وحشة الطريق.
قال الراوي فذرفت عينا معاوية بالدموع و سالت على لحيته و لم يملك ردها و اختنق من حوله بالبكاء، ثم قال: رحم اللّه أبا حسن فقد كان و اللّه كذلك، ثم التفت إلى ضرار و قال كيف حزنك عليه يا ضرار فقال حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترق عبرتها و لا يسكن حزنها.